وحينما أتم الله نعمته على المسلمين بهزيمة الأحزاب ورجوعهم خاسرين، كان لا بد للظالم أن يذوق وبال أمره، ويجني عاقبة ظلمه وغدره.
ومن أجل ذلك نادى رسول الله -ﷺ- في نفس اليوم الذي تم فيه رحيل الأحزاب فقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" ١ فساروا مسرعين، وكان عددهم ثلاثة آلاف٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٣٨٩٣، ومسلم ١٧٧٠ من حديث عبد الله بن عمر. ٢ بحسب ما ذكر ابن سعد وغيره، وانظر "المواهب" ١/ ٤٦٢، و"فتح الباري" ٧/ ٤١٠.
[ ٢٨١ ]
وقد تحصن يهود بني قريظة بحصونهم حينما رأوا أنهم قد أحيط بهم، فحاصرهم المسلمون خمسًا وعشرين ليلة١ ولما اشتد الضيق بهم لم يجدوا بدًّا من التسليم والخضوع.
ثم صدر الحكم من سيد الأوس سعد بن معاذ -﵁- وكان يقضي بقتل الرجال وسبي النساء والذرية.
وقد اطمأن الرسول -ﷺ- لهذا الحكم، وقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد" ٢.
وقد أمر رسول الله -ﷺ- فحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم جيء بهم مكتفين بالحبال فضربت أعناقهم ودفعوا في تلك الخنادق، وكان عددهم نحوًا من ستمائة رجل٣، ثم قسمت أموالهم وأبناؤهم على المسلمين.
وهذا بلا ريب عدل القضاء، وحكم السماء أراده الله لهؤلاء اليهود من بني قريظة جزاءً وفاقًا لظلمهم وبغيهم. أجل، لقد ضربوا أسوأ مثل في الخيانة، فخذلوا المسلمين في أشد أوقات الحرج والضيق، ولولا لطف الله لتمكن الأحزاب من اقتحام المدينة وإفناء المسلمين، فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله
_________________
(١) ١ في قول ابن إسحاق، وعند ابن سعد: خمس عشرة ليلة، وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة، "المواهب اللدنية" ١/ ٤٦٣. ٢ أخرجه البخاري ٣٨٩٥، ومسلم ١٧٦٨ من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه غيرهما عن غيره. ٣ في "المواهب اللدنية" ١/ ٤٦٧ كانوا بين ستمائة إلى سبعمائة، وقال السُّهيلي: المكثر يقول: ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عن الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح: أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل من طريق الجمع أن الباقين كانوا أتباعًا. انتهى. قلت: نعم، حديث جابر عند الترمذي ١٥٨٢ وقال: حسن صحيح.
[ ٢٨٢ ]
وأراح المسلمين من شرهم. ولا غرو فالظلم لا يدوم ومرتع البغي وخيم.
[ ٢٨٣ ]