وهو العهد الذي يبدأ منذ رجع محمد -ﷺ- من بادية بني سعد، وهو في الخامسة من عمره إلى أن بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة ونزل عليه الوحي ليكون رسولًا نبيًّا، وقد مرت بمحمد -ﷺ- في هذه الحقيقة أحداث كثيرة تركت في نفسه أعظم الآثار، فكان يذكرها بعد النبوة ويتحدث عنها حديث الحب والشوق أو حديث الألم والحزن أو حديث الإعجاب والتقدير، فمن ذلك سفره مع أمه إلى
[ ٩٥ ]
يثرب، وهو في السادسة من عمره لزيارة أخوال جده من بني عدي بن النجار١.
وفي هذه الرحلة رأى محمد -ﷺ- قبر والده عبد الله في يثرب، فانطبعت في نفسه معانٍ عميقة ظل يشعرها طول حياته، ثم رأى والدته وهو عائد من يثرب إلى مكة يتخطفها الموت وتغيب عن عينيه في أعماق الثرى، ولا يرى معه في هذا الظرف العصيب إلا جاريته أم أيمن تضرب في البيداء المترامية، وبين الظلمات المتكاثفة من الخوف والحزن الذي ألم به بعد فراق أمّه الرءوم حتى تعود به إلى جده عبد المطلب فيتسلمه.
ومنذ أن عاد محمد -ﷺ- إلى جده العظيم عبد المطلب بدأت تزول مخاوفه وأحزانه، لأنه رأى من عطفه وحنانه ما أنساه ألم اليتم وعوضه عن فقد والديه. ويذكر الرواة من مظاهر هذا العطف والحنان أن عبد المطلب كان له فراش في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إجلالًا له واحترامًا، وكان محمد -ﷺ- يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عن فراش جده، فيقول عبد المطلب حين يرى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا. ويجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما كان يصنع٢.
_________________
(١) ١ ذكر هذه الحادثة ابن سعد في "الطبقات" ٢/ ١١٦- ١١٧ مسندًا ذلك عن الزهري وقتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وابن عباس. وانظر "المواهب اللدنية" ١/ ١٦٨، و"الروض الأنف" ١/ ١٩٤، و"البداية والنهاية" ٢/ ١٧٩، ومجيء هذه الحكاية من أوجه متعددة يفيد ثبوتها، وإن كانت جميعها مرسلة. ٢ سيرة ابن هشام، و"الروض الأنف" ١/ ١٩٥، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٨١، ولم أقف على هذه الحكاية من وجه مسند متصل، وقد رواه الواقدي -وهو متروك- من أوجه مرسلة.
[ ٩٦ ]
ولكن القدر لم يمهل عبد المطلب بعد وفاة آمنة سوى عامين ثم أدركته المنية ومحمد -ﷺ- لا يزال في الثامنة من عمره ١، وقد فزع محمد لفراق جده، وامتلأت نفسه بالحزن العميق حتى لقد لفت هذا الحزن أنظار الناس وهم يشيعون عبد المطلب إلى مقره الأخير حيث كانوا يرون محمدًا -وهو الطفل الصغير- يمشي في جنازة جده مطرق الرأس موزع الفكر دائم البكاء ٢.
ومن ذلك سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جده، وكان خير المثال للعمومة الكريمة والأبوة الرحيمة.
وفي هذا الطريق التقى محمد -ﷺ- براهب نصراني يقال له: بحيرا، وكان محمد -ﷺ- حينئذٍ في الثانية عشرة من عمره، وكان ذلك بالقرب من بصرى وهي قرية في الحدود بين الشام وبلاد العرب. ويقال إن هذا الراهب أخذ يسأل محمد -ﷺ- عن كثير من أحواله، وإن محمدًا -ﷺ- أخبره عن كل ما سأل عنه. فوجد هذا الراهب أن هذه الأوصاف هي أوصاف النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل.
وحينئذٍ قال لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: إنه ابني.
فقال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت.
_________________
(١) ١ هذا قول ابن إسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" ١/ ١٧٨، وأسنده عنه البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٨٨، ولم يحك ابن كثير غيره في "البداية" ٢/ ٢٨٢. وقد أخرج ابن سعد من وجه ضعيف ١/ ١١٩ "أنه -ﷺ- سئل: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم، أنا يومئذٍ ابن ثماني سنين". وقالت أم أيمن: رأيته يبكي خلف سرير عبد المطلب. ٢ قدمنا في الحاشية السابقة قول أم أيمن وأنها رأته يبكي، والسند ضعيف.
[ ٩٧ ]
وقد نصح هذا الراهب أبا طالب بألا يوغل بمحمد -ﷺ- في بلاد الشام خوفًا عليه من أذى اليهود وشرهم إذا رأوا فيه تلك الأمارات التي تدل على أنه النبي المنتظر١.
_________________
(١) ١ ذكر هذه القصة ابن إسحاق بلا إسناد ١/ ١٩١ - ١٩٤ وعنده مزيد تفصيل. وأوردها صاحب "الروض الأنف" ١/ ٢٠٥-٢٠٧ وعزاها كذلك للزهري في سيره والمسعودي. وأخرج ابن سعد القصة ١/ ١٢٠-١٢١ بسند منقطع، ومن طريق الواقدي. ومن هذا الوجه أخرج القصة أبو نعيم، كما في "دلائل النبوة" رقم ١٠٨ و"الخصائص" للسيوطي ١/ ٢١١، و"الإصابة" ١/ ١٧٩ لابن حجر. وفي "المواهب اللدنية" ١/ ١٨٧ عزاه لابن أبي شيبة لكن في القصة اختلاف. وفي "البداية" ٢/ ٢٨٤ ذكر قصة لقاء بحيرى وقال: أخرج الحافظ الخرائطي عن عباس الدوري، عن قراد أبي نوح، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه، قال خرج أبو طالب.. فذكر في الحديث أنه لقي بحيرى وقال له عن النبي -ﷺ: هذا سيد العالمين. وروى هذا الحديث الترمذي والبيهقي وابن عساكر والحاكم من هذا الوجه بزيادة تفصيل. ورجال الحديث موثقون غير قراد: قال ابن كثير: وثقه جماعة من الأئمة ولم أر من جرحه، وفي حديث هذا غرابة وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الدوري: ليس في الدنيا أحد يحدث به غير قراد، وقد سمعه منه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين لغرابته وانفراده. قال ابن كثير: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة إلى آخر ما قال. قلت: وذكر بحيرى الراهب في الصحابة عند ابن منده وأبي نعيم تقضي عندهما ثبوت الخبر ما داما لم يتعقبا الرواية بشيء. وقال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي. وقال ابن حجر في "الإصابة" ١/ ١٣٩ في القسم الأول في بحيرى الراهب غير هذا: ظن بعضهم أنه بحيرى الراهب الذي لقي النبي -ﷺ- بالشام قبل البعثة مع أبي طالب وليس بصواب -إن صح الخبر. ثم قال ١/ ١٧٦ في القسم الرابع: وردت هذه القصة بإسنادٍ رجاله ثقات من حديث أبي موسى، أخرجها الترمذي وغيره، وفي القصة لفظة منكرة.. ثم ذكر أن الحديث وقصة بحيرى أخرجها الحافظ عبد الغني من وجه تالف. قلت: سند حديث أبي موسى رجاله ثقات نعم، لكن لا يصح خشية أن يكون أبا إسحاق قد دلس فيه.
[ ٩٨ ]
ولا شك أن هذه الرحلة كان لها أثر كبير في حياة الرسول -ﷺ- فلقد وسعت أفقه وزادت من تجاربه، وفتحت بين يديه أبوابًا من الأمل الواسع في مستقبل عظيم ومجد كبير.
ومن ذلك شهوده حرب الفجار وحلف الفضول.
أما حرب الفجار فقد شهدها محمد -ﷺ- مع أعمامه وكان عمره خمسة عشر عامًا١، فكان يناول أعمامه السهام أحيانًا ويقاتل معهم أحيانًا أخرى.. وكانت هذه الحرب بين كنانة وقيس.
وقد انضمت قريش إلى كنانة دفاعًا عن قداسة الأشهر الحرم ومكانة أرض الحرم، واستمرت هذه الحرب أربعة أعوام، ثم انتهت بالصلح بين الفريقين٢.
وأما حلف الفضول، فهو ميثاق كريم يدعو إلى الدفاع عن الحقوق وحماية المستضعفين. وقد عقدته قريش بعد رجوعها من حرب الفجار في دار عبد الله ابن جدعان بمكة، وتعاهدت فيه أن تحمي الضعفاء والمظلومين حتى يأمن كل إنسان على ماله وعياله، وقد رفع هذا الحلف مكانة قريش بين قبائل العرب،
_________________
(١) ١ هذا قول ابن هشام عن أبي عبيدة النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء، ١/ ١٩٥، ثم نقل عن ابن إسحاق ١/ ١٩٨ أن الحرب هاجت وللنبي -ﷺ- عشرون سنة. وانظر "البداية" ٢/ ٢٨٩. وقد أخرج ابن سعد ١/ ١٢٦ - ١٢٧ من طرق واهية أنه كان ابن عشرين. ولعل الجمع أنه كان أول ما حضرها ابن خمسة عشر في أولها، فلما انتهت كان قد قارب العشرين، والله أعلم. وسيؤيد هذا الكلام ما يأتي. ٢ وذلك بدعوة قام بها عتبة بن ربيعة، كما في "طبقات ابن سعد" ١/ ١٢٨، و"البداية" ٢/ ٢٩٠ لابن كثير، وغيرها.
[ ٩٩ ]
وكان محمد -ﷺ- وقت حضوره هذا الحلف في العشرين من عمره١.
وقد ترك هذا الحلف العظيم في نفس محمد -ﷺ- أعمق الآثار، لأنه حلف إنساني يدعو إلى الخير ومكارم الأخلاق، ثم تحدث -ﷺ- عنه بعد البعثة فأثنى عليه وقال: "لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أود لو أن لي به حمر النعم ٢، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت" ٣.
_________________
(١) ١ أخرج ذلك ابن سعد ١/ ١٢٨ بسند ضعيف، لكن صح عنه -ﷺ- هذا الحلف كما سيأتي دون تحديد السن. ٢ حمر النعم، هي الإبل الحمراء، وهي أجود أنواع الإبل. ٣ هذا هو الصحيح، والحديث صحيح. وقد وقع بعض الغلط في بعض الأحاديث، فذكر بعض الرواة أنه ﷺ، شهد حلف المطيبين، وقال فيه هذا، كما أخرجه أحمد في "المسند" ١/ ١٩٠، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٣٨ وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن عوف رفع الحديث: "شهدت مع أعمامي حلف المطيبين، ما أحب أن أنكثه، وأن لي حمر النعم"، ثم أخرج البيهقي ٢/ ٣٨ عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين ". قال البيهقي: زعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، وأن النبي -ﷺ- لم يدرك حلف المطيبين إلى آخر كلام البيهقي. ونقل ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٩١ كلامه هذا وقال: وهذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي.. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت فسموا المطيبين، وكان هذا قديمًا، ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول، وكان في دار عبد الله بن جدعان، كما رواه الحميدي، عن ابن عيينة، عن عبد الله، عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول -ﷺ-: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت ". وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة، في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر إلى آخر ما قال. وانظر "الكامل في التاريخ" ٢/ ٢٧، و"طبقات ابن سعد" ١/ ١٢٩.
[ ١٠٠ ]