غزوة بدر الكبرى ١:
وجاءت بعد ذلك غزوة بدر الكبرى، وهي أول معركة في الإسلام قامت
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٥٧، "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٧٧ ترتيبها، "دلائل النبوة" لأبي نعيم ١/ ٤٦٩، والمسند ٣٣١٠، و"مجمع الزوائد" ٦/ ٦٩، "الخصائص" ١/ ٥٠١ و"صحيح مسلم" ١٧٧٩، ١٩٠١ و"سنن أبي داود" ٢٦٨١، و"صحيح البخاري" ٣٧٣٦، ٣٧٣٧ و"سنن الترمذي" ١٦٧٧، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٢٥، و"تاريخ الطبري" ٣/ ٣١، و"البداية والنهاية" ٣/ ٢٥٦ وغير ذلك مما يطول ذكره.
[ ٢٢٢ ]
بين الحق والباطل، وكان سببها أن قافلة تجارية لقريش بقيادة أبي سفيان كانت قادمة من الشام وفي طريقها إلى مكة، فأراد رسول الله -ﷺ- أن يعترض طريق هذه القافلة ليفجع قريشًا في أموالها كما فجعت قريش المسلمين من قبل في أموالهم وأنفسهم، وخرج الرسول -ﷺ- في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا١ من أصحابه في اليوم الثامن من رمضان٢ ومعهم سبعون بعيرًا وفرسان.
وحينما علم أبو سفيان بخروج الرسول -ﷺ- وأصحابه فزع كل الفزع، وأرسل إلى قريش يطلب الغوث والنجدة، فثار القرشيون ثورة عصبية، ونفروا سراعًا، وعلى رأسهم سادتهم وكبراؤهم، وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين رجلًا٣، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، ومضى مشركو قريش في طريقهم لنجدة أبي سفيان وتخليص أموالهم من قبضة المسلمين، وبينما هم في الطريق وصلهم رسول من أبي سفيان يخبرهم بنجاته هو وقافلته، ويطلب إليهم الرجوع، ولكن أبا جهل تحمس للحرب والقتال، وأبى إلا أن يتقدم حتى يصل إلى بدر٤، وصاح قائل: والله لا نرجع حتى نصل إلى بدر ونقيم عليها ثلاثًا، ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان٥، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها.
وتردد القوم بين اتباع أبي جهل مخافة أن يتهموا بالجبن والخور، وبين
_________________
(١) ١ أو أكثر من ذلك بقليل، ولعل المرجح أنه خرج معه فيها ثلاثمائة وخمسة، وأربعة عشر لم يحضروها لكن ضرب لهم بسهم المحارب كعثمان بن عفان، وعاصم بن عدي، والحارث بن حاطب، والحارث بن الصمة، وخوّات بن جبير وغيرهم، فلذلك اختلف في العدد، مع أنه صح عند مسلم أنه ثلاثمائة وتسعة عشر. ٢ أو الثاني عشر، وقد بدأ القتال في السابع عشر من رمضان على المشهور. ٣ في "صحيح مسلم" ١٧٦٣ أنهم ألف. ٤ مكان في الجنوب الغربي من المدينة، فيه ماء. ٥ المغنيات.
[ ٢٢٣ ]
الرجوع إلى مكة ما دامت العير قد نجحت وأموالهم قد سلمت، فلم يرجع إلا بنو زهرة الذين اتبعوا مشورة الأخنس بن شريق، وكان سيدًا مطاعًا فيهم، واتبعت سائر قريش رأي أبي جهل ومضوا في طريقهم حتى وصلوا وادي بدر، ونزلوا بالعدوة القصوى عن المدينة.
وحينما علم الرسول -ﷺ- بأن قريشًا خرجوا بجموعهم ليمنعوا عيرهم جمع أصحابه واستشارهم فتكلم أبو بكر ثم عمر بما يؤيد الرسول -ﷺ- ويعضده، ثم تكلم المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
ثم تكلم سعد بن معاذ من الأنصار فقال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
وهنا يجدر بنا أن نقف وقفة إعجاب وتقدير، فإن عظمة الجنود إنما تتركز على أساس من عظمة القائد، ولقد كان الرسول -ﷺ- يقود أصحابه إلى ميدان الجهاد مستضيئًا بهدى القرآن وتعاليم الإسلام التي تعد المجاهدين في سبيل الله إحدى الحسنيين، وتبشر الشهداء بالحياة السعيدة الخالدة حيث، يقول الله -﷿:
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ ٢٢٤ ]
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١.
ومن أجل ذلك نجحت تلك القيادة الرشيدة وسادت حتى علا لواء الإسلام في كل مكان، وانسابت كلمة الحق بين الأمم تحيي موات الأنفس والأرواح والقلوب، وإن في ذلك لعبرة.
ثم مضى رسول الله -ﷺ- وأصحابه في طريقهم وقد أشرق وجه الرسول -ﷺ- بالمسرة لما رأى من قوة إيمان المسلمين وقال لهم: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين٢، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم". وهكذا ظلوا سائرين حتى نزلوا بعدوة الوادي الدنيا، أي القريبة إلى المدينة، وقد صدق الله وعده، فالتقى المسلمون بإحدى الطائفتين وهي الطائفة القوية ذات الشوكة، مع أنهم كانوا يريدون غير ذات الشوكة، وهي العير، ولكن الله أراد لهم أن يلتقوا بالنفير، وهو الجيش الكبير الذي نفر لإنقاذ العير، وكان ذلك لحكمة جليلة أرادها الله وسجلها في محكم كتابه، حيث قال:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٣.
وكان الحباب بن المنذر بن الجموح خبيرًا بهذه الأمكنة التي نزل فيها المسلمون، فلما رأى الموقع الذي استقر فيه المسلمون لم يرق في نظره ولم يطمئن إليه، فقال للرسول -ﷺ: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآيتان ١٦٩، ١٧٠. ٢ قافلة أبي سفيان، أو من خرج من مكة لنصرته. ٣ سورة الأنفال، الآيتان ٧، ٨.
[ ٢٢٥ ]
الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال محمد -ﷺ-: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". فقال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزل، ثم نعور١ ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون وحينئذٍ فكر الرسول -ﷺ- فاقتنع بهذا الرأي السديد، وأعلن أمام المسلمين أنه قد نزل على رأي الحباب، وأن في ذلك الحكمة والصواب.
وهنا -أيضًا- ينبغي أن نقف وقفة إعجاب وإكبار، فلم يكن الرسول -ﷺ- برأيه ولا راكبًا متن الغرور، بل كان يتشاور مع أصحابه كي يتلمس وجه الخير والرشاد عملًا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢. وكان يحترم الرأي الصائب وينفذه ولو تعارض مع رأيه٣، فهل يكون في ذلك للناس عبرة وتبصرة؟ إن القادة والرؤساء كثيرًا ما يعميهم التعصب الممقوت والاستبداد بالرأي فينزلقون إلى الشر، ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الفناء، ولو استطاع هؤلاء القادة والرؤساء السادرون في عماية الكبرياء والأنانية أن ينتفعوا بهذا الدرس العملي من المربي الأول محمد٤ -ﷺ- وبمثله من الدروس التي ألقاها الزعماء والصالحون على الإنسانية، لتغير مجرى التاريخ في كثير من الأزمنة والعصور.
ولما نفذوا رأي الحباب وبنو الحوض، قال سعد بن معاذ: يا نبي الله نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عند ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله
_________________
(١) ١ نخرب ونتلف ونعكر ٢ سورة آل عمران، الآية ١٥٩. ٣ يعني في الأمور الاجتهادية، والغالب أن ذلك لا يكون من اختلاف التعارض، وإنما التنوع. ٤ الرسول الهادي.
[ ٢٢٦ ]
وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًّا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.
وقد أثنى الرسول -ﷺ- على سعد ودعا له بخير، ولأنه قدر الظروف وعرف أن مكان القائد هو الإشراف والتوجيه فلا ينبغي أن يتعرض للأخطار١، لأن في حياته حياة الأمة وكيانها وكرامتها، ثم بني العريش للنبي -ﷺ- حتى يكون في مأمن من العدو إذا لم يكن النصر في جانب المسلمين، وهكذا الإخلاص والإيثار: إخلاص الجندي الأمين لقائده الأمين، وإيثار المؤمن لنبيه على نفسه.
وبمثل هذا الإخلاص والإيثار مَنَّ الله على المسلمين، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، وإن في ذلك لعبرة
_________________
(١) ١ ليس مطلقًا، وها هو -ﷺ- يوم حنين يأتي المشركين بمفرده على بغلته يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقد جاء في رواية في المسند ذكرها الحافظ أن كثير في "البداية" ٣/ ٢٧٧ أنه -ﷺ- قال: "لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" وهذا وقع عند مسلم من حديث أنس.
[ ٢٢٧ ]