لم يهدأ للمسلمين بال بعد هزيمتهم في غزوة أحد في أواخر العام الثالث الهجري، فلقد عزّ عليهم وروعهم أن ينتصر الباطل على الحق في هذه المعركة، وأن يكون انتصار الباطل الذي يمثله المشركون من قريش، وهزيمة الحق الذي يمثله المسلمون في المدينة٢، أن يكون ذلك بسبب مخالفة بعض المسلمين في هذه الغزوة لأوامر الرسول -ﷺ- وهو القائد الأعلى، وخروجهم على التنظيم الدقيق الذي وضعه لهم وأوصاهم باتباعه.
_________________
(١) ١ كان بين غزوة حمراء الأسد التي بعد أحد، وبين غزوة الخندق جملة غزوات وسرايا هي:
(٢) سرية أبي سلمة المخزومي.
(٣) سرية عبد الله بن أنيس.
(٤) سرية المنذر بن عمرو.
(٥) سرية مرثد بن أبي مرثد.
(٦) غزوة بني النضير.
(٧) غزوة بدر الموعد.
(٨) غزوة ذات الرقاع.
(٩) غزوة دومة الجندل.
(١٠) غزوة المريسيع. وغيرها. انظرها جميعها في كتابنا "سنن النبي -ﷺ- وأيامه" ١/ ٣٢٤-٣٣٨ وما سيأتي. ٢ قال مؤلف الكتاب في الحاشية هنا: كان المسلمون حينئذٍ يعتبرون موقفهم يوم أحد هزيمة، ونحن نعتبره انتصارًا بالرغم مما فيه من خسائر، ولكن تعبيرنا بكلمة هزيمة يعني بالنسبة للانتصار السابق في بدر -راجع غزوة أحد من هذا الكتاب.
[ ٢٥٥ ]
ولقد كان هذا الانتصار المفاجئ الذي ظفر به المشركون مشجعًا لهم على المضي في طريق البغي، والإمعان في عداء الرسول -ﷺ- ومن اتبعه ويتبعه من المسلمين
ولا شك أنه قد جال في نفوسهم أن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله قد باركت هذه الغزوة، وأنها ستبارك غيرها من الغزوات، حتى يظهر أمرهم وتعلوا كلمتهم، ولقد جرى ذلك على لسان قائدهم أبي سفيان حينما لمع له سراب البطل فاغتر به، ونادى في ظلمات الجهالة موجهًا خطابه للمسلمين قائلًا: اعل هبل، ناسيًا أن الله أعلى وأجل١.
أما القبائل العربية الأخرى في سائر الجزيرة العربية فكانوا -في جملتهم- يعبدون الأصنام، وقد بلغ بهم الحقد -كذلك- على المسلمين نهايته ومداه، فاتخذ بعضهم من الخيانة والخداع سبيلًا لإطفاء ما تنطوي عليه نفوسهم من الغل والضغينة، ومن ذلك ما وقع من قوم ينتسبون إلى بني الهون وكانوا يسكنون بالحجاز بين مكة والطائف. فلقد جاءوا إلى الرسول -ﷺ- في أوائل السنة الرابعة من الهجرة وقالوا: يا رسول الله: إنا فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام.
وقد استجاب الرسول -ﷺ- لهم، لأنه لم يكن يعلم الغيب، ولم يطلعه الله على ما تنطوي عليه قلوبهم من غدر وخيانة وكفر وضلال، ولأنه كان شديد الحرص على نشر الإسلام وإعلاء كلمته، وظن أن هذا الوفد قد جاء يلتمس النور ويبتغي الخير، فلم يضن عليهم بذلك -وما هو على الخير بضنين- وبعث معهم ستة نفر
_________________
(١) ١ كما صح ذلك في "البخاري" ٣٨١٧ وغيره من حديث البراء بن عازب أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هبل، فقال النبي -ﷺ-: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا له: الله أعلى وأجلّ "
[ ٢٥٦ ]
من أصحابه، فكان لهم في تاريخ الإسلام بلاء أي بلاء، وفي ميدان التضحية الاستشهاد صفحة ناصعة بيضاء ذلك بأن هؤلاء القوم من بني الهون قد تحرك الغدر الكامن في نفوسهم، بعد أن خرجوا من المدينة وعاونهم في ذلك جماعة من هذيل، في عدد كبير يبلغ المائتين فقاتل الستة المسلمون قتال الأبطال، حتى قتل ثلاثة منهم واستسلم الثلاثة الباقون، وما كان استسلامهم من خور في العزيمة أو ضعف في العقيدة أو خوف من الموت، ولكنه استسلام الليث الهصور وقع في قبضة الغالب، وأطبقت عليه القوة الطاغية من كل جانب.
وقد قتل هؤلاء الثلاثة بأيدي المشركين بعد ذلك، وكان منهم زيد بن الدثنة وهو الذي قال له المشركون حينما قدموه ليقتلوه: ننشدك الله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي١.
فأية عظمة تنطوي عليها تلك النفس المؤمنة التي تستقبل الموت في سبيل الله بابتسامة الرضا والطمأنينة. والتي لو خيرت لاختارت القتل على ألا يصاب الرسول -ﷺ- بشوكة تؤذيه!
إنها التربية الإسلامية التي أسست على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا
_________________
(١) ١ هذه المسماة بغزوة الرجيع، وقد ساق المؤلف القصة على ما رواه ابن إسحاق، وهي في "صحيح البخاري" ٣٨٥٨ مع بعض اختلاف يسير. وانظر "البداية" ٤/ ٦٣ وما ساق الحافظ لهذه الغزوة من الروايات.
[ ٢٥٧ ]
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه﴾ ١.
وقول الرسول -ﷺ-: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين" ٢.
وكان منهم: خبيب بن عدي، وقد حاولوا أن يردوه عن إسلامه إلى الكفر، فأبى عليهم ذلك، وقدم روحه فداء لدينه.
وقد روي عنه أنه قال حينما علم أن القوم قد أجمعوا أمرهم لصلبه:
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
وقد خيروني الكفر، والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزع
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا علي أي جنب كان في الله مصرعي٣
وكان أشد من ذلك عنفًا وقسوة ما أصيب به المسلمون في يوم بئر معونة فقد استشهد منهم في هذا اليوم سبعون، قتلوا غدرًا وغيلة بأيدي قبائل: رعل، وذكوان، والقارة، وقد حزن الرسول -ﷺ- على هؤلاء الشهداء الأبرار، ومكث شهرًا كاملًا يدعو على هؤلاء المعتدين الآثمين، الذين ارتكبوا هذه الجرائم المنكرة٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية ٢٣، ٢٤. ٢ أخرجه البخاري ١٥، ومسلم ٤٤ من حديث أنس بن مالك. ٣ ذكر هذه الأبيات ومعها غيرها ابن إسحاق كما في "البداية" ٤/ ٦٧. على أنه قد صح في "البخاري" ٣٨٥٨ أنه قال: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزعِ ٤ صحت قصتهم عند البخاري ٣٨٦٠، ومسلم ٦٧٧ وغيرهما.
[ ٢٥٨ ]