وصل رسول الله -ﷺ- إلى غار ثور ومعه صاحبه الوفي الأمين أبو بكر الصديق -﵁- وقد سبق أبو بكر رسول الله إلى دخول الغار ليستبرئه.
فلما اطمأن إلى سلامته من الهوام والحشرات، نادى الرسول -ﷺ- بالدخول ومكثا في ذلك الغار الموحش ثلاث ليال.
وكان عبد الله بن أبي بكر قد عرف من أبيه حين الهجرة من مكة أنه سيلجأ مع النبي -ﷺ- إلى غار ثور فكان إذا جن الليل ينطلق إلى الغار فيقص على رسول الله -ﷺ- وعلى أبيه ما رأى من مشركي قريش وما سمع من تدبيرهم، ثم يأتي عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بأغنامه فينال الرسول -ﷺ- وأبو بكر من ألبانها ولحومها ما يشاءان، ثم يعود عبد الله بن أبي بكر، ويعود عامر بالقطيع وراءه ليعفي على أثره، ويعود اللاجئان إلى عزلتهما بالغار يؤنسهما الإيمان وتحيط بهما عناية الرحمن.
وقد فزع مشركو قريش لهجرة رسول الله -ﷺ- وخروجه من مكة أشد الفزع، فطاردوه في كل مكان وقعدوا له كل مرصد، وتتبعوا آثاره وآثار صاحبه حتى
[ ١٧٦ ]
انتهى بهم المطاف إلى مقربة من غار ثور. وقد ساورهم الشك في أن يكون محمد -ﷺ- وصاحبه قد لجآ إلى ذلك الغار، فأخذوا يتشاورون فيما بينهم ويتساءلون، وكان على مقربة من الغار راعٍ
فلما رآه المشركون سألوه: هل رأيت محمدًا وأبا بكر؟ وهل تعرف أين ذهبا؟
وأجاب الراعي: قد يكونان بالغار وإن لم أر أحدًا أمّه.
وسمع الرسول -ﷺ- وأبو بكر هذا الحديث، وسمعا وقع أقدام المشركين وهم يتقدمون نحو الغار، فاستولى الخوف الشديد على أبي بكر الصديق حتى تصبب عرقًا وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا.
ولكن الرسول -ﷺ- كان يطمئنه ويقول له: "يا أبا بكر ما ظنك في رجلين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا".
ثم تقدم واحد منهم نحو الغار، ودار حوله وأمعن النظر فيه، فلم يلبث أن عاد أدراجه. وسأله أصحابه: ماذا رأيت بالغار؟ فقال: إن العنكبوت عليه من قبل ميلاد محمد، وقد رأيت حمامتين وحشيتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، فاعتقد المشركون أن الغار مهجور ورجعوا خائبين١.
وهكذا تتجلى عناية الله ورعايته للرسول -ﷺ- في كل خطوة من خطواته، وفي ذلك يقول الله -﷿:
_________________
(١) ١ انظر روايات الهجرة عند ابن كثير في "البداية" ٣/ ١٧٧ وما بعدها، "ترتيب طبقات ابن سعد" ١/ ٢٤٩ وما بعدها، "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٢٥ وما بعدها، "جامع الأصول" ٩/ ٤٨٩ وما بعدها، "دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٤٧١ لأبي نعيم ٢/ ٣٢٥ وما بعدها، "المواهب اللدنية" ١/ ٢٨٦ وما بعدها، "مجمع الزوائد" ٦/ ٥٢ وما بعدها، وغير ذلك.
[ ١٧٧ ]
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وإذا كان القرآن الكريم لم يشر إلى نسيج العنكبوت، ولا إلى وجود حمامتين وحشيتين عند الغار، فإن كتب الحديث النبوي قد أشارت إلى شيء من ذلك، فقد ذكر أحمد في مسنده عن ابن عباس -﵄: أن أهل مكة لما اقتفوا أثر الرسول -ﷺ- بعد خروجه من مكة وصلوا إلى جبل ثور، فصعدوا فيه فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه٢.
على أننا يمكن أن نستشف من قوله سبحانه: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أي أيده بعنايته، ومن قوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ أن نسيج العنكبوت ووجود الحمامتين الوحشيتين وإخفاء هذه الأشياء لمحمد -ﷺ- وصاحبه عن عيون الأعداء إنما هو أثر من عناية الله ورمز لجنود الله، إن جنود الله هي القوى التي يمتلئ بها الكون ويسخرها الله -إذا شاء- للقضاء على الظالمين، أو إعانة الضعفاء أو إغاثة الملهوفين، وقد يتمثل ذلك في إنسان أو حيوان أو طائر، أو أي كائن صغير أو كبير.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية ٤٠. ٢ "المسند" ٢/ ٢٧٩، وقد حسن الحافظ ابن كثير سند الحديث في "البداية" ٣/ ١٨١ وكذلك وقع ذكر العنكبوت والحمامتين، في حديث عن أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، عند البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤٨٢، وابن سعد ١/ ٢٢٩ وأبي نعيم رقم ٢٢٩، وابن عساكر كما عند ابن كثير في "السيرة" ٣/ ١٨١، وقال: هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، قلت: وهو ضعيف وقد جاء ذكر نسج العنكبوت من مرسل الحسن، كما في "البداية" ٣/ ١٨١ وحسنه الحافظ في الشواهد. وفي الباب أكثر مما ذكرت، وفيما تقدم كفاية.
[ ١٧٨ ]
ومن عجب أن المفسرين حينما يفسرون قوله سبحانه: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ يقولون عنها: إنها الملائكة التي نزلت في يوم بدر وفي يوم حنين١، ولا شك أن الآية تتحدث عن الغار وما وقع فيه من رعاية إلهية لمحمد -ﷺ- وصاحبه وكل الأفعال الواردة في الآية الكريمة من إنزال السكينة وتأييد الرسول -ﷺ- بالجنود وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى وكلمة الله هي العليا..
كل ذلك إنما تتعلق به الظروف التي اختصها الله بالذكر في هذه الآية وأعني بها ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾، و﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، و﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ هذا القول، أحد قولين، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" ٤/ ٤٤١ وغيره. وقال: والثاني: لما كان في الغار. فليس هو محصور قولهم بيوم الأحزاب أو بدر أو حنين، كما ذكر المؤلف. وأما قوله أن المراد بالجنود النسيج والحمامتان، لا الملائكة، وعجبه من المفسرين. فالعجب منه هو، كيف سوغ لنفسه مخالفة جميع هؤلاء المفسرين. ثم إن مجرد رؤية العنكبوت أو الحمامة ليس يدفع الرائي للرجوع وعدم الدخول في الغار، إلا بما يقذف في قلبه من ذلك. وهذا من عمل الملائكة، لا من عمل الحمام أو نسيج العنكبوت نفسه. ومن هنا يعرف صحة ما قالوا، وضعف ما انتقد. نعم، لو قال: لا مانع أن تدخل الحمامتان، ونسج العنكبوت ضمن تلك الجنود مع الملائكة بعد ثبوت الخبر، لكان أحسن. ٢ فائدة: تفسير القرآن يحتاج لفهم وسبر يجعلهما الله فيمن يريد من عباده، فلا يتعجل المسلم في الخوض في ذلك، وانتقال السياق من موضع لآخر، ومن حكمة لأخرى أمر مشهود مشهور في القرآن العظيم، وبدليل ما في هذه الآية نفسها: فقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ . قال جمهور أهل التفسير: عليه -أي على أبي بكر- لا على النبي -ﷺ- لأنه كان مطمئنًا، كما صح ذلك ومضى الحديث.. وقال قليلون: عليه أي على النبي، وقيل: عليهما! وأما "أيده" فقالوا: هي للنبي -ﷺ- مع أن السياق واحد. وقد أوضح ابن الجوزي وغيره هذه الظاهرة فقال في "الزاد" ٤/ ٤٤١: فإن قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء أيده ترجع للنبي -ﷺ- فكيف تفارقها هاء "عليه" =
[ ١٧٩ ]
ومن هنا يسوغ لنا أن نقول -والله أعلم- إن تأييد الله لرسوله -ﷺ- بالجنود يُقصد به في هذه الآية ما سخره الله من القوى لنصرة محمد -ﷺ- وتيسير طريقه إلى يثرب وإخفاء المعالم التي تدل عليه حتى يصل إلى غايته في أمن وسلام١، ولله قول شوقي حينما يسجل تلك العناية في قصيدته نهج البردة:
سل عصبة الشرك حول الغار حائمة لولا مطاردة المختار لم تحم
هل أبصروا الأثر الوطاء أم سمعوا همس التسابيح والقرآن من أَمَمِ؟
وهل تمثل نسج العنكبوت لهم كالغاب والحائمات الزغب كالرخم؟
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم كباطل من جلال الحق منهزم
لولا يد الله بالجارين ما سلما وعينه حول ركن الدين لم يقم
تواريا بجناح الله واستترا ومن يَضُمُّ جناح الله لا يُضَمِ
وكما أسعدني الحظ بالرقي إلى غار حراء، حيث بدأ نزول الوحي على النبي الأمين، فقد أسعدني الحظ -كذلك- بالرقي إلى غار ثور حيث لجأ الرسول -ﷺ- وصاحبه يحتميان من طغيان المشركين، ولقد كانت رحلة مباركة من طلاب كلية
_________________
(١) = وهما متفقان في نظم الكلام؟ فالجواب: أن كل حرف يرد إلى الأليق به، والسكينة يحتاج إليها المنزعج، ولم يكن النبي -ﷺ- منزعجًا. وأما التأييد بالملائكة فلم يكن إلا للنبي -ﷺ- نظير هذا في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ فالتعزير والتوقير للنبي -ﷺ- والتسبيح لله -﷿. انتهى. وفي المقام كلام أطول من هذا بكثير، وإنما أوردته حتى لا يغتر مغتر بهذه الحجة التي أوردها المؤلف. ١ نعم، والملائكة أحق من قصد بذلك وعني.
[ ١٨٠ ]
الشريعة بمكة المكرمة. وعلى الرغم من متاعب الطريق الذي كانت تزحمه الرمال السافية والذي غاصت فيه السيارة مرة بعد مرة، ولم تتحرك إلا بعد أن نزل الجميع وعاونوها على المسير، فقد كنا نتجه في طريق الرسول -ﷺ- ونسير على الدرب الذي سلكه الرسول -ﷺ- ولذا عادت بنا الذاكرة من خلال القرون الماضية إلى يوم الهجرة النبوية، وتمثلنا رسول الله -ﷺ- خارجًا في ظلام الليل يطارده الظلم بجحافله الجرارة، ويضيء في قلبه الإيمان فيبدد هذا الظلم والظلام، وكنا نتطلع إلى الرمال عسى أن نرى أثرًا من آثاره، ونتسمع إلى الرياح عسى أن تروي لنا خبرًا من أخباره وهكذا حتى وصلنا -بحمد الله وتوفيقه- إلى جبل ثور.
ولقد كان هذا الجبل يختلف عن جبل حراء، لأنه جبل تسلمك قمته إلى سفح جبل آخر. فكأن الصاعد إلى غار ثور سوف يتسلق جبلين، ويبذل من الجهد مثل ما بذل في جبل حراء مرتين. ولقد عاوننا بعض الطلاب المرافقين لنا على الصعود، وكأنما كانت تشدنا إلى غايتنا قوة سحرية حتى وصلنا إلى هذا المكان الخالد١، ووقفنا أمامه خاشعين متأملين. والناظر إلى هذا الغار لأول وهلة يروعه جلال عجيب، ويسيطر على نفسه شعور غريب، فهو قبة كبيرة من الصخر مجوفة من الداخل ويتسع لأكثر من ثلاثين رجلًا، وبابه ضيق لا يستطيع أحد أن يدخله إلا حبوًا، على يديه ورجليه، وسقفه منخفض لا يزيد ارتفاعه عن متر ونصف متر، وأمام الباب فتحة واسعة تبلغ ضعف فتحة الباب.
وقد وسعها بعض الأمراء المسلمين ليدخل منها الضوء وتسهل دخول الناس، وكان هذا عملًا بعيدًا عن الصواب.
_________________
(١) ١ كذا قال، ولا أدري من أين جاء بهذا.
[ ١٨١ ]
وأمام الغار وعلى بعد ما يقرب من عشرة أمتار توجد صخرة مرتفعة، وهي التي وقف عليها المشركون حينما كانوا يبحثون عن رسول الله -ﷺ.
وقد قضينا في هذا المكان نصف يوم، كان في تقديرنا نصف العمر أو العمر كله. ورجعنا بعد ذلك من نفس الطريق الذي جئنا منه؛ حيث ضربت لنا خيمة بسفح الجبل فاسترحنا في ظلها، وتناولنا أقداح الشاي وأقداح اللبن.
قلت لصاحبي -وأنا أجول في أعماق الماضي البعيد: ليت هذه الخيمة كانت خيمة أم معبد؟ وليت هذا اللبن الذي شربناه كان من شاة أم معبد.١ فأجابني قائلا: يا ليت ثم يا ليت، ولكن هيهات هيهات أن يرجع ما فات.
وبعد ثلاثة أيام قضاها الصاحبان في غار ثور، وبعد أن هدأ الطلب وسكن الناس عنهما، أتاهما الدليل: عبد الله بن أريقط، ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بطعامهما.
فلما ارتحلا لم تجد ما تعلق به الطعام والماء في رحالهما، فشقت نطاقها وعلقت الطعام بنصفه وانتطقت بالنصف الآخر، فسميت ذات النطاقين. وتتحدث السيدة أسماء عما أخذه أبوها من ماله في يوم الهجرة، فتقول: لما خرج رسول الله -ﷺ- وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم، وكانت هي كل ماله.
فدخل علينا جدِّي أبو قحافة -وقد ذهب بصره- فقال:
_________________
(١) ١ سيأتي ذكر ذلك.
[ ١٨٢ ]
والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
فقلت له: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
قالت: ثم أخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدل على هذا المال.
قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ثم تقول السيدة أسماء: ولا والله ما كان قد ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك١.
_________________
(١) ١ انظر المراجع السابقة لهذه القصة، وصحيح البخاري ٢/ ٣١٢ وغيره.
[ ١٨٣ ]