على بعد ساعة واحدة من مكة المكرمة بالسير على الأقدام، وعلى يسار الذاهب إلى منى تمتد سلسلة من الجبال والآكام المتلاصقة، ويلوح في وسطها جبل أحد يطل على تلك الفيافي الشاسعة والجبال الفارعة، وكأنه المنارة الساطعة. ذلكم هو الجبل الأشم الخالد على الزمن: جبل حراء.
وقد طلع محمد -ﷺ- قبيل البعثة إلى هذه البقعة العالية، حينما رأى قريشًا قد
[ ١٠٦ ]
هوت إلى الحضيض، وانحدرت في عبادتها إلى الدرك الأسفل، فسما هو إلى هذا المكان وكان يخلو به كل عام في شهر رمضان١، أجل كان يخلو بغار في أعلى هذا الجبل الأشم، وهو كهف غريب جعله الله على وضع عجيب، يأخذه فيه الإنسان راحته الكاملة، وتنطلق فيه الروح من أسر المادة وعقال الشهوة، إلى حيث تسمو إلى العلياء، وتسبح في ملكوت السموات والأرض. فبابه يتسع لدخول الشخص الواحد وهو قائم، وقد غُطي سقفه بصخور مائلة، لذا كان وسطه أعلى من جانبيه.
ويستطيع اثنان متجاوران أن يصليا فيه براحة كاملة، ومساحته من الداخل تسمح بنوم ثلاثة من الرجال متجاورين.
وقد أسعدني الحظ بالرقي إلى هذا الغار في رفقة من الأصدقاء الأخيار، ومع نفر من أبنائنا الطلاب في كلية الشريعة بمكة. وكانوا جميعًا من الشباب الممتلئ بالقوة والفتوة، ولولا دافع قوي من الإيمان وشوق أقوى لرؤية أول مكان نزل فيه القرآن، لتحطمت قوتنا بين يدي تلكم الأحجار العاتية، ولما استطاع أحد منا أن يواصل السير والصعود على هذا المرتقى الوعر الشديد..
_________________
(١) ١ كون المدة كانت شهرًا، وأنه رمضان، جزم بذلك الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ٢٣ وعزاه لابن إسحاق انتهى. قلت: وهو عنده في السيرة كما عند ابن هشام ١/ ٢٥٢ وغيره، عن عبيد بن عمير، وهذا مرسل. لكن أخرج أبو داود الطيالسي ٢٣١٨، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم ١٦٣ وغيرهما من حديث عائشة: أن رسول الله -ﷺ- نذر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة بغار حراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة، فسمع: السلام عليك " الحديث. وفي سنده ضعف، لكن يصلح في الشواهد. وعند البخاري ٤٩٢٢، ومسلم ٢٥٧ وغيرهما من حديث جابر رفعه: "جاورت بحراء شهرًا". وانظر "دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ١٣٣، و"السيرة الحلبية" ١/ ٣٨٣، فإنهم ذكروا نزول الوحي في هذا الشهر أيضًا.
[ ١٠٧ ]
ولكن عند الصباح يحمد القوم السرى، وحينما تتحقق الآمال تضيع المتاعب وتنسى الآلام، ولقد نسينا ما لقينا من نصب ومشقة حينما انتهينا بحمد الله وتوفيقه إلى الغار، وأشرقت علينا من خلاله الأنور، وغمرتنا موجات متلاحقة من البِشر والسرور، وطاف بنا إشراق من صفاء النفس وسمو الروح، حتى لقد ذهلنا عن أنفسنا وخيل إلينا أن أجسامنا قد استبدلت بأطياف وأرواح، وأن أجسادنا لم يعد لها ثقل مادي، وأن في استطاعتنا أن نحلق في يسر وسهولة إلى الملإ الأعلى.
ولقد تراءى بين أيدينا إذا ذاك سجل الزمن وكتاب الأيام، فقلبنا صفحاته إلى الوراء أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث وقفنا عند صفحة خالدة تشع بالأنور في تاريخ هذا الغار.
ولعل الشاعر الحجازي الأستاذ السيد أحمد العربي قد عبر عما تجيش به نفوسنا جميعًا في قصيدته الرائعة عن غار حراء، وهي القصيدة التي يقول فيها:
هذا حراء سائلوه يجبكم فلعله سفر من الأسفار
واستلهموه مواقف الوحي التي شع الهدى منها على الأقطار
وسلوه ماذا قد أقل من البطو لة والحجى؟ أعظم به من غار
أخلق بغار حراء أن يزهى على ال أهرام والإيوان والآثار
كم بين صاحبه وبين بناتها من فارق أربى على الأقدار
شتان بين محرر الأقوام وال مستعبدين سلائل الأحرار
فإلى هذا المكان الذي يشق العنان، كان يصعد محمد بن عبد الله -ﷺ
[ ١٠٨ ]
قبيل بلوغه الأربعين١، وكان يحمل معه من الماء والطعام٢ ما يكفيه لقضاء جزء كبير من شهر رمضان في كل عام، وبين تلك الصخور والرجام، وفي هذا الصمت العميق، ومن خلال تلك الكوة٣ الضيقة كان يطل محمد -ﷺ- على الدنيا بأسرها، فيطالع عظمة الكون ونظامه ودقته وإحكامه، ثم ينظر مع ذلك إلى أهل مكة وما حولها، فيراهم في الغي سادرين فيستولي على نفسه الضيق والألم، ويتمنى أن لو جاء الحق الذي تسكن له النفوس، وتطمئن به القلوب، وتنجاب أمامه الغياهب والظلمات.
وحينما أراد الله أن يعلي كلمته ويتم على العالمين نعمته، أذن للحق بالظهور لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، فجاء جبريل الأمين إلى محمد الأمين، وقد بلغ أشده وبلغ الأربعين.
ودخل عليه الغار ومعه صحيفة، فضمه ضمة شديدة حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال له: اقرأ.
فأجابه الرسول -ﷺ-: ما أنا بقارئ.
وكرر جبريل هذا العمل والقول ثلاث مرات، والرسول -ﷺ- يجيبه بنفس الجواب، فقال له جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ ولما بلغها، لأن الوحي لما نزل عليه كان ابن أربعين، كما جاءت بذلك الروايات المتضافرة الكثيرة. ٢ قيل: هو زيت وكعك. ٣ فتحة صغيرة مستديرة مقابلة لباب الغار تطل على مكة، وعلى الكعبة. ٤ سورة العلق، الآيات: ١-٢-٣-٤-٥ وقد صح هذا عند البخاري ١/ ٢٥، ومسلم ١/ ٩٧، من حديث عائشة الماضي، وعن غيرها عند غيرهما كذلك.
[ ١٠٩ ]
وهكذا ابتدأت دعوة الحق نورًا أضاء في غار تقاس مساحته بالأشبار، ولكن لم يلبث هذا النور إلا قليلًا حتى ملأ الأقطار والأمصار، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وقد رجع رسول الله -ﷺ- عقب نزول الوحي عليه يرجف فؤاده، ودخل على زوجته خديجة، وقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم أخبر زوجته السيدة خديجة بما وقع له في غار حراء، وقال لها: "لقد خشيت على نفسي". فطمأنته السيدة خديجة، وبينت له أن وراء هذا الحادث خيرًا كثيرًا حيث قالت له: "والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"١.
ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان عنده علم بالكتب السماوية، فلما سمع من الرسول -ﷺ- خبر ما رأى أدرك أن هذا هو الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء من قبل، فبشر محمدًا -ﷺ- بأنه سيكون نبي هذه الأمة وتمنى ورقة لو يطول به العمر حتى تظهر رسالة محمد -ﷺ- فيكون من أنصاره وأعوانه٢.
ولكن شاء الله أن يموت ورقة قبل أن تتحقق أمنيته.
وفتر الوحي بعد ذلك مدة من الزمان.
_________________
(١) ١ هو قطعة من حديث عائشة الماضي. ٢ وعبارته له، كما في حديث عائشة الماضي: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا". ثم لم ينشب ورقة أن توفي.
[ ١١٠ ]
وقد اختلف العلماء في هذه الفترة. وأرجح الأقوال أنها أربعون يومًا فحسب١، ولكن هذه المدة على قصرها مرت على الرسول -ﷺ- وكأنها أربعون سنة. ولا عجب في ذلك، فقد اشتد به الشوق لنزول الوحي عليه، وخاف أن يكون الله قد حرمه من هذه النعمة الكبرى.
ولكن الله تعالى رحم محمدًا -ﷺ- من هذه الحيرة الأليمة، فعاد إليه الوحي. ونزل عليه قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبرْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ وليس في ذلك شيء يقطع به، فيما وقفت عليه، وانظر "فتح الباري" ١/ ٢٧. ٢ سورة المدثر، الآيات: ١-٢-٣-٤-٥-٦-٧.
[ ١١١ ]