وقد بدأت المعركة في اليوم السابع عشر من رمضان، وفي السنة الثانية من الهجرة النبوية، حيث وقف الحق أمام الباطل وجهًا لوجه، والتقى الجمعان فئة قليلة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وفئة كثيرة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان
[ ٢٢٧ ]
فانتصر الحق بفضل الله وعلا لواؤه، ولاذ الباطل بالفرار وقد أفل نجمه وطاش سهمه.
وأخذ الرسول -ﷺ- ينظم صفوف المقاتلين من المسلمين، ثم أعلن بدء المعركة بهذه الكلمة القوية المؤمنة: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة". ولا ريب أن الكلمة المؤمنة إذا صادفت القلوب المؤمنة كانت كالغيث الهتون يصيب الأرض النقية الطيبة فينبت فيها الخير الكثير فلم يكد المسلمون المؤمنون يسمعون هذه الكلمة من نبيهم -ﷺ- حتى نسوا الدنيا بما فيها من سعادة ونعيم، حتى إن أحدهم -وهو عمير بن الحمام- كان يأكل بعض تمرات فألقاها، لأنه آثر عليها تمر الجنة، وكأنما يراه بعينيه ويلمسه بيديه، وينطلق مسرعًا للقتال لكي يحظى بنعمة الاستشهاد في سبيل الله وهو ينشد بقلبه ولسانه:
ركضًا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد١
وظل يقاتلهم ويقتل منهم ما شاء الله أن يقتل حتى قُتل في سبيل الله، فشفى الله صدره بالجهاد وحقق له نعمة الاستشهاد، وهكذا:
تردَّى ثياب الموت حمرًا فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر
ولقد تجلى في هذا اليوم وفي هذه المعركة عدل الله وقصاصه من الظالمين،
_________________
(١) ١ أسند ذلك ابن جرير وغيره كما في "البداية" ٣/ ٢٧٧.
[ ٢٢٨ ]
إذ لمسوا نتيجة ظلمهم وجنوا عاقبة غدرهم وإثمهم:
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١.
فهذا أُمية بن خلف الجمحي القرشي رأس الكفر والضلال، وداعية الظلم والظلام، وباعث الشر والفتنة في مكة، والعدو الألد للإسلام منذ ظهوره تسلط بظلمه على بلال بن رباح -وكان مملوكًا له- فكان يخرج به وقت الظهيرة في الرمضاء٢ ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.
فيقابل بلال ذلك الأذى بالصبر الجميل والإيمان العميق، ويتنفس الصعداء من خلال الألم الممض والأسى المرمض، قائلًا: أحد أحد٣.
أجل، هذا هو أُمية بن خلف في مكة وقبل يوم بدر
ثم ها هو ذا الآن في يوم بدر يتنكر له الزمن وتدور عليه الأيام فماذا عسى أن يكون؟ لقد لمس هو والطغاة عاقبة ظلمهم وبغيهم، ونظروا إلى قوتهم فوجدوها متضائلة متخاذلة. وقد كانت إلى الأمس القريب صائلة وجائلة، واستصرخوا آلهتهم المتعددة فلم تسمع ولم تجب، بينما كان المسلمون ينادون إلههم الواحد فيرونه قريبًا ويجدونه سميعًا مجيبًا.
ونظر أُمية بن خلف في صفوف المسلمين فرأى عبده القديم بلال بن رباح يمرح في ربيع الحرية، ويصول ويجول تحت ظلال العزة الإسلامية.
ونظر بلال بن رباح في صفوف المشركين، فرأى أُمية بن خلف وقد ساقه الله
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية ١٠٢. ٢ الحر الشديد. ٣ وقد مضى.
[ ٢٢٩ ]
مع جند الباطل حتى أصبح أمامه وجهًا لوجه، فأدرك تمام الإدراك أن هذا اليوم يوم القصاص، وتذكر تاريخ أُمية الملطخ بالخزي والعار، فثارت نفسه وصاح قائلًا: أُمية بن خلف رأس الكفر والضلال لا نجوت إن نجا وحاول أُمية بن خلف أن يتوارى عن الأنظار ويلوذ بالفرار، ولكن القضاء العادل نفذ وحكم الله بأمره، فكان القصاص الرهيب في الدنيا قبل الآخرة، وذهب أُمية بن خلف صريع بغيه وعدوانه، على يدي بلال، ورأى بلال في أُمية ما أطفأ ألمه القديم، وداوى قلبه الكليم، وكان خير عوض عن حقه المهضوم، وإن في ذلك لعبرة.
وعقبة بن أبي معيط عدو الله ورسوله، والنضر بن الحارث عدو الله ورسوله. وأبو جهل عدو الله ورسوله هؤلاء وغيرهم من أئمة الكفر والذين لا أيمان لهم، وقفوا في يوم بدر للقصاص، ورأوا بأعينهم نكال أمرهم وعاقبة بغيهم وظلمهم١، وكانت نهايتهم الأليمة عبرة وعظة سجل التاريخ فيها أن الظلم لا يدوم، وأن موقع البغي وخيم، وأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
_________________
(١) ١ انظر مراجع غزوة بدر السابقة.
[ ٢٣٠ ]