وتعيد إلينا قصة أم معبد الخزاعية قصة حليمة السعدية مرضعة الرسول -ﷺ- فلقد كان قدوم محمد -ﷺ- خيرًا وبركة، وظهر ذلك فيما منحها الله من رزق وفير، وكان ذلك في أيام رضاعه وطفولته.
وكذلك كان قدوم محمد -ﷺ- على أم معبد الخزاعية في طريق هجرته إلى المدينة وفي أيام كهولته خيرًا وبركة، وظهر ذلك بما أفاء الله عليها من خير بيمن قدومه، ومن حيث لم تكن هناك أسباب يتوقع منها هذا الخير، وإليكم ما رواه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى١ عن ذلك: "عن أبي معبد الخزاعي أن
_________________
(١) ١ "١/ ٢٣٠"، ومن وجهه أخرجها البيهقي كما في البداية ٣/ ١٩٢، وكذلك أخرجها أبو نعيم من هذا الوجه، وفي السند مقال الذهبي في تلخيص المستدرك. لكن جاءت القصة من طريق آخر عند الحاكم في المستدرك ٩١٣ عن هشام بن =
[ ١٨٣ ]
رسول الله -ﷺ- لما هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت المرأة١ جلدة برزة٢ تحتبي وتقعد بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرًا أو لحمًا يشترونه. فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مرملون٣، مسنتون٤.
فقلت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى.
فنظر رسول الله -ﷺ- إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد"؟
قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال "هل بها من لبن"؟
قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها"؟
قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا. فدعا رسول الله -ﷺ- بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله، وقال: "اللهم بارك لها في شاتها"، قال:
_________________
(١) = حبيش، وعند الطبراني في الأحاديث الطوال ٢٥/ ٣٠، وأبي نعيم في الدلائل رقم ٢٣٨، وعزاه السيوطي في الخصائص للبغوي وابن شاهين وابن منده وغيرهم، قلت: وأخرجه كذلك البيهقي في الدلائل ١/ ٢٧٧، والبغوي في شرح السنة ٣٩٧٤، واللالكائي في أصول الاعتقاد ١٤٣٤، ١٤٣٧، وقد تكلمت على الإسنادين في الدرك بتخريج المستدرك، وذكرت أن الحديث يحسن من طريقيه، وانظر البداية ٣/ ١٩٢ وما بعدها، من إتيان هذه القصة عن غير أم معبد أيضًا، وترجيح الحافظ أن القصتين واحدة، وكذلك نقل هذا الترجيح عن البيهقي، وأسانيد القصص الأخرى قوية. ١ الجلدة: القوية. ٢ برزة: أي تبرز لا تحتجب احتجاب الشابات لكهولتها، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة. ٣ المرملون: من نفد زادهم. ٤ مسنتون: أصابتهم سنة، أي مجاعة وجرب.
[ ١٨٤ ]
فتفاجت١ ودرت واجترت فدعا بإناء لها يُربض الرهط٢ فحلب فيه ثجًّا حتى غلبه الثمال٣ فسقى لها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى ارتووا، وشرب -ﷺ- آخرهم، فشربوا جميعًا عللا بعد نهل٤ثم حلب فيه ثانيًا عَودا على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد.
فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: والله، إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: ذاك والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ولو كنت وافقته يا أم معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.٥
وتروي كتب السيرة ٦ أن هاتفًا من الجن أخبر أهل مكة بما وقع في خيمة أم معبد، فكان مما قال:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم ترحلَا فأفلح من أمسى رفيق محمد٧
لِيَهْنِ بني كعب مقامُ فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد٨
_________________
(١) ١ فرجت بين رجليها وتهيأت للحلب. ٢ أي يروي الجماعة نحو العشرة. ٣ الثمال: الرغوة. ٤ أي مرة بعد مرة. ٥ هكذا أورد القصة المؤلف، وقد اختصر شيئًا منها. ٦ قد جاءت هذه الأبيات في نفس الحديث الماضي. ٧ كذا في "الطبقات" ١/ ٢٣١، و"البداية" ٢/ ١٩٣، وأما في "دلائل أبي نعيم": هما نزلا بالهدى واهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد ٨ سقط هذا البيت من "الطبقات الكبرى". وثبت في دلائل أبي نعيم. وزاد قبله: فيا لقصي ما زوى الله عنهم به من فعال لا تجازى وسؤدد
[ ١٨٥ ]
سلو أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد١
وقد أجابه حسان بن ثابت بعد ذلك:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد٢
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلوا كتاب الله في كل مشهد
لِتَهْنِ أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد٣
_________________
(١) ١ وثمة أبيات لم تذكر كذلك وانظر: "الطبقات الكبرى" ١/ ٢٣١. "الروض الأنف" ٢/ ٧. "دلائل النبوة" لأبي نعيم ٢/ ٣٣٩. "المستدرك" ٣/ ١٠. "البداية والنهاية" ٣/ ١٩٣. وغير ذلك. ٢ بعد بيتين فيما مضى من المصادر: هداهم بعد الضلالة ربهم فارشدهم ومن يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا عمى وهداة يهتدون بمهتد ٣ وثمة أبيات كذلك.
[ ١٨٦ ]