ولم يكن من قبيل المصادفة ما وقع لإسماعيل ﵇ حين هم أبوه إبراهيم -﵇- بذبحه تقربًا إلى الله وامتثالًا لأمره، ثم كتب الله له النجاة
[ ٥٢ ]
وفداه بذبح عظيم، وما وقع بعد ذلك لعبد الله بن عبد المطلب وهو من سلالة إسماعيل وأبنائه، حينما هم أبوه عبد المطلب بذبحه وفاء لنذره وتقربًا لآلهته، ثم كتب الله له النجاة وفداه بمائة من الإبل، لم يكن ذلك من قبيل المصادفة، ولكنه تدبير وتقدير من المدبر المقدر، وحكمة قضى بها العليم الحكيم، ولعل هذه الحكمة هي التي جعلت رسول الله -ﷺ- يتحدث عن نفسه بعد البعثة، فيقول: "أنا ابن الذبيحين" ١.
_________________
(١) ١ قوله ﷺ: "أنا ابن الذبيحين"، الغالب على كلام أهل العلم أنه ضعيف، وإن كانوا يحتجون به في جملة ما يحتجون على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق. فقد قال الزيلعي وابن حجر في تخريج "الكشاف": "لم نجده بهذا اللفظ" "كشف الخفاء" ١/ ١٩٩، وفي "فتح الباري" ١٢/ ٣٧٨ من كتاب: التعبير، باب "رؤيا إبراهيم" قال ابن حجر: "رويناه في الخلعيات من حديث معاوية". قلت: حديث معاوية قد رواه الحاكم فقال ٢/ ٥٥٤: حدثنا أبو بكر محمد الشافعي، ثنا عبيد بن حاتم، ثنا إسماعيل بن عبيد، ثنا عبد الرحيم الخطابي، ثنا عبد الله بن محمد العتبي، ثنا عبد الله بن سعيد الصنابحي، قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم الذبيح إسحاق. فقال معاوية: سقطتم على الخبير، كنا عند رسول الله -ﷺ- فأتاه أعرابي فقال يا رسول الله خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا، هلك العيال وضاع المال، فعد علي بما أفاء الله عليك يابن الذبيحين. فتبسم رسول الله -ﷺ- ولم ينكر عليه. فقلنا: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم وقالوا: أرضِ ربك وافد بنذرك. قال: ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني. انتهى -ولم يصححه الحاكم- وقال الذهبي في التلخيص: سنده واهٍ. وقلت في "الدرك بتخريج المستدرك" منذ سنين: إسماعيل ثقة يغرب، والخطابي أخشى أن يكون المتروك، وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٥٢٩ لابن جرير، والآمدي في مغازيه، والخلعي في فوائده ولابن مردويه وقال: بسند ضعيف. وقد ذكر الحاكم فيما بعد بعض ما يدل على ضعف الحديث عنده، فقال ٢/ ٥٥٩: =
[ ٥٣ ]
فمن هما الذبيحان اللذان قصدهما رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث؟
أما الذبيح الأول: فهو إسماعيل -﵇- وهو أبو العرب المستعربة -كما قدمنا- والجد الأكبر لرسول الله -ﷺ- وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله ﷾ عن إبراهيم ﵇:
_________________
(١) = كنت أرى مشايخ الحديث قبلنا وفي سائر المدن التي طلبنا الحديث فيها، وهم لا يختلفون أن الذبيح إسماعيل، وقاعدتهم قول النبي، ﷺ: "أنا ابن الذبيحين "، إذ لا خلاف أنه من ولد إسماعيل، وأن الذبيح الآخر أبوه الأدنى عبد الله بن عبد المطلب. والآن أجد مصنفي هذه الأدلة يختارون قول من قال: إنه إسحاق، انتهى. والحديث هذا أورده ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٨ من سورة "الصافات"، وعزاه لابن جرير من طريق إسماعيل بن عبيد، عن عمر بن عبد الرحيم الخطابي عن عبد الله بن محمد العتبي، عن أبيه، عن عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي.. فذكره فاختلف السند عنده في ثلاثة أشياء -وقال ابن كثير: هذا حديث غريب جدًّا. ورواه الأموي في مغازيه، حدثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي، حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا الصنابحي فذكره، فخالف في السند من وجهين. وفي تاريخ ابن عساكر ٦/ ٢٠٥ في ترجمة إبراهيم ﵇: وقد ذهب جماعة إلى أن الذبيح إسماعيل، وسياق القرآن يدل عليه، ويدل عليه قوله -ﷺ-: "أنا ابن الذبيحين" -ولم يسنده- واستدل بهذا الحديث صاحب "المواهب اللدنية" ١/ ١١٠، مع أنه لم يصححه. وقد ذكر القرطبي في تفسيره ١٥/ ١١٣ من سورة "الصافات" حديث معاوية المتقدم وقال: لا حجة فيه، لأن سنده لا يثبت، على ما ذكرناه في كتاب "الأعلام في معرفة مولد المصطفى ﵊" ولأن العرب تجعل العم أبا. والحاصل أن الحديث هذا لا يثبت، لكن ظاهر القرآن يدل على أن الذبيح إسماعيل كما سيأتي، وانظر الخلاف في "تاريخ الطبري" ١/ ٢٥٠ وما بعدها، "زاد المعاد" ١/ ١٢١ وما بعدها، "حواشي الضعفاء الكبير" للعقيلي ٣/ ٩٤ وما بعدها، "فتح الباري" ١٢/ ٣٧٨، "تفسير ابن كثير" ٤/ ١٨، "تفسير القرطبي" ١٥/ ١١١ وما بعدها، وغير ذلك.
[ ٥٤ ]
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ ١.
فهذه الآيات الكريمة تشير في وضوح إلى أن هناك بشارتين لإبراهيم أولاهما: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيم﴾ .
وثانيتهما: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ .
ومحنة الذبح التي ابتلي بها إبراهيم جاءت بعد البشارة الأولى التي كانت بالغلام الأول هو إسماعيل.
وبعد أن سرد الله قصة إبراهيم مع ابنه، وكيف فداه الله بذبح عظيم تقرب به إبراهيم إلى ربه شكرًا على نجاة ولده، عاد فأخبر عن البشارة الثانية بالولد الثاني لإبراهيم وهو إسحاق الذي رزقت به السيدة سارة بعد ولادة السيدة هاجر لإسماعيل٢.
وأما الذبيح الثاني: فهو عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول ﷺ.
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآيات ١٠١- ١١٢. ٢ وانظر رد القرطبي ١٥/ ١١٣ وغيره ممن يرى أن الذبيح إسحاقُ على هذا التأويل، وملخص قوله أنه بشره بالنبوة، بعد أن كان بشره بالولادة، فجعل البشارة الأولى لإسحاق أيضًا.
[ ٥٥ ]
قال ابن إسحاق في "السيرة"١ ما ملخصه: كان عبد المطلب فيما يزعمون، نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء، فأطاعوا وقالوا: كيف نصنع.
فقال: ليأخذ كل رجل منكم قدحًا، ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني، ففعلوا. فدخل بالأقداح على هبل الصنم في جوف الكعبة. فاستقسم بالأقداح، فخرج القدح على ابنه عبد الله -والد النبي ﷺ- وكان أصغر ولده، وأحبهم إليه. ومع ذلك فقد خرج عبد المطلب بولده ليذبحه، فقامت إليه قريش فمنعته، وكذلك إخوته أبناء عبد المطلب، وقالوا: لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بولده فيذبحه، فما بقاء الناس على هذا.
-وذكر ابن يونس عن ابن اسحاق أن العباس هو الذي اجتذب عبد الله- ثم أشاروا عليه بأن يذهب لعرافة تفتيه في أمره، فخرجوا إلى سجاح -امرأة كانت تزعم أن لها تابعًا يخبرها الأخبار- فقالت: كم الدية فيكم؟
قالوا: عشر من الإبل.
قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرًا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ١/ ١٥٥ وما بعدها، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٤٨، و"المواهب اللدنية" ١/ ١٠٩ وغير ذلك.
[ ٥٦ ]
فخرجوا حتى قدموا مكة، فقربوا عبد الله وعشرًا من الإبل ثم ضربوا القداح فخرج القداح على عبد الله، فزادوا عشرًا، ثم ضربوا، فخرج عليه كذلك، وما زال القدح يخرج عليه حتى بلغت الإبل مائة، فخرج عندها القدح على الإبل.
فعلوا ذلك ثلاث مرات، كل مرة يخرج القدح على الإبل، فقالوا: قد رضي ربك يا عبد المطلب ١.
_________________
(١) ١ وقد أخرج ابن جرير بسند حسن عن ابن عباس أن امرأة سألته أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة، فأمرها بذبح مائة من الإبل، وذكر لها هذه القصة عن عبد المطلب. ثم إنها سألت ابن عمر، فلم يفتها بشيء بل توقف "البداية والنهاية" ٢/ ٢٤٩.
[ ٥٧ ]