قالت حليمة:
خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي
[ ٨٧ ]
قمراء١، وفي سنة شهباء٢، لم تبق شيئًا، ومعه زوجي، ومعنا شارف لنا٣، والله ما ينبض٤ علينا بقطرة من لبن. ومعي صبي لي لا ننام ليلتنا من بكائه، ما في ثديي ما يغنيه.
فلما قدمنا مكة، لم تبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول -ﷺ- فتأباه، وإنما كنا نرجوا كرامة الرضاعة من والد الولد -وكان يتيمًا- ونقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه به، حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيًّا، غيري، فكرهت أن أرجع ولم أجد شيئًا وقد أخذ صواحبي.
فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك التيم، فلآخذنه، فأخذته ورجعت إلى رحلي.
فوالله ما هو إلا أن جعلته في حجري حتى أقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن فشرب حتى روي، وشرب أخوه -يعني ابنها- حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلبها من اللبن ما شئنا، وشرب حتى روي وشربت حتى رويت، وبتنا ليلتنا شباعًا رواء وقد نام صبياننا، فقال زوجي: والله يا حليمة ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة.
قالت: ثم خرجنا، فوالله لخرجت أتاني٥ أمام الركب، حتى إنهم ليقولون: ويحك كفّي عنا أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها.
_________________
(١) ١ شديدة البياض. ٢ أي قليلة الخضرة والماء، والمعنى شديدة الجدب. ٣ الشارف: الناقة المسنة. ٤ أي ما يسيل ولا يقطر. ٥ الأتان: أنثى الحمار.
[ ٨٨ ]
وكان ﷺ، يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة.
فبلغ سنة١، وهو غلام جفر٢.
فقدمنا على أمه فقلت لها وقال لها أبوه: ردي علينا ابني فلنرجع به، فإنا نخشى عليه وباء مكة. ونحن أضن شيء به مما رأينا من بركته.
قالت: فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به، فرجعنا به. فمكث عندنا شهرين، فبينا يلعب هو وأخوه يومًا خلف البيوت يرعيان بهمًا لنا، إذا جاءنا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه:
أدركا أخي القرشي، قد جاء رجلان، فأضجعاه، وشقا بطنه.
فخرجنا نشتد، فانتهينا إليه، وهو قائم منتقع لونه، فاعتنقه أبوه واعتنقته ثم قلنا: ما لك أي بني.
قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه ورجعناه به.
قال أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر ما به ما نتخوف.
قالت: فرجعنا به.
فقالت أمه: ما يردكما به، فقد كنتما حريصين عليه.
_________________
(١) ١ في بعض المصادر: سنتيه، وفي بعضها سنًّا. ٢ أي ممتلئ قوي.
[ ٨٩ ]
فأخبراها القصة.
فطمأنتهما آمنة قائلة: إن لابني هذا لشأنًا، فلم أكن أحس أثناء حلمه بشيء مما تجد الحوامل، وقد رأيت وأنا أحمله كأن نورًا خرج مني فأضاء لي قصور الشام١.
ثم طلبت إليها أن تعود به إلى البادية مرة ثانية.
فعادت به حليمة، وظل معها حتى قارب الخامسة من عمره٢.
وتروي كتب السنة والسيرة وقوع هذه الحادثة للرسول -ﷺ- ليلة الإسراء والمعراج.
فلقد روى الإمام أحمد والإمام مسلم٣ عن الرسول -ﷺ- أنه قال: "فرج
_________________
(١) ١ هذا الحديث في "مسند أبي يعلى" ٢/ ٢٢٣، و"سيرة ابن هشام" ١/ ١٧١، و"الروض الأنف" ١/ ١٨٧ وما بعدها، و"صحيح ابن حبان" رقم ٦٣٣٥، و"السيرة النبوية" لابن عساكر ٧٤: ٧٦، و"المعجم الكبير" للطبراني ٥٤٥٢٤، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم ٩٤، و"تاريخ الأمم والملوك" ٢/ ١٥٨ للطبري، و"دلائل النبوة" ١/ ١٣٣ وما بعدها، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٧٣، وغيرهم، وقد صحح هذا الحديث جماعة وحسنه آخرون. وقال في "مجمع الزوائد" ٨/ ٢٢٠ رجاله ثقات. ونقل ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٣٩٤ تصحيح ابن حبان وأقره. قلت: والحديث بشواهده لا ينزل عن درجة الحسن. وقد جاء من وجه آخر بزيادة كثيرة فيها محمد بن زكريا الغلابي أحد الضعفاء، كما روى ذلك البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٣٩ وغيره. وقد قال الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٧٥ بعد إيراده بطوله: وهذا الحديث قد روي من طرق أخر، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السيرة والمغازي، ثم ذكر بعض هذه الشواهد. ٢ نقله السهيلي في "الروض الأنف" ١/ ١٩٣ عن ابن عبد البر، وقال: ولم تره بعد ذلك إلا مرتين. ٣ بل الحديث عند الشيخين وطائفة وانظر: "صحيح البخاري" ١/ ٩٧، ٢/ ١٩١، ٤/ ١٦٥، و"صحيح مسلم" كتاب الإيمان ٢٦٣، "مسند أحمد" ٥/ ١٢٢، ٥/ ١٤٣، و"صحيح أبي عوانة" ١/ ١٣٣، و"شرح السنة" للبغوي ١٣/ ٣٤٥، وغير ذلك. وقد أخرج حديث شق الصدر عن جماعة من الصحابة، كما سيأتي تفصيل في ذلك.
[ ٩٠ ]
سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه".
ويختلف رأي العلماء في معنى شق الصدر، فيذهب البعض منهم إلى أنه شق حقيقي وأنه معجزة وقعت مرتين: مرة قبل البعثة، ومرة بعدها، فأما قبل البعثة فلكي تكون إرهاصًا للنبوة، وبشيرًا بما ينتظر لمحمد -ﷺ- من مركز كبير ومقام كريم، وأما بعد البعثة فلكي تكون معجزة تضاف إلى المعجزات الأخرى التي كرم الله بها نبيه -ﷺ- والتي تؤيد صدقه في دعواه١.
ويذهب البعض الآخر إلى أن حادث شق الصدر لم يقع حقيقة وإنما يقصد منه ما يفهم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ٢ فهي بذلك تكون إشارة إلى
_________________
(١) ١ الصحيح أن شق الصدر حصل ثلاث مرات، كما جزم بذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٧/ ٢٠٤ وغيره، فإنه قال: قد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد. ولا إنكار في ذلك فقد تواردت الرواية به. وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في "الدلائل"، ولكل حكمة: فالأول أخرج الملك علقة منه وقال: "هذا حظ الشيطان منك"، كما عند مسلم، فنشأ في أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. ثم وقع عند البعثة زيادة في إكرامه، ليتلقى ما يوحى إليه بقلب أقوى. ثم وقع شق الصدر عن إرادة العروج ليتأهب للمناجاة. ويحتمل أن تكون الحكمة في ذلك وتكرير الغسل ثلاث مرات المبالغة في الإسباغ، كما تقرر في شرعه ﷺ، انتهى. قلت: وفي "المواهب اللدنية" ١/ ١٥٩ وروي الشق أيضًا وهو ابن عشر سنين أو نحوها، مع قصة له مع عبد المطلب، أخرج الحديث أبو نعيم في الدلائل وروي خامسة، ولا تثبت. ٢ سورة الانشراح، الآية ١.
[ ٩١ ]
تطهير الرسول -ﷺ- من الشوائب التي توجد في نفوس الناس، والسمو به إلى درجة عالية من الطهارات النفسية والخلقية.
وممن يرون هذا الرأي -من علماء هذا العصر- الشيخ محمد الغزالي١ في كتابه فقه السيرة فلقد جاء فيه: إن بشرًا ممتازًا كمحمد -ﷺ- لا تدعه العناية غرضًا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس.
فإذا كانت للشر موجات تملأ الآفاق. وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها، فقلوب النبيين -بتولي الله لها- لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدلي، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته
عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله -ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ٢.
ثم يقول: ولعل أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها الله على محمد -ﷺ- فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني ومفاتن الحياة الأرضية، وقد أورد الخازن في تفسيره القصة الأولى -أيام الرضاعة- عند تفسيره لقول الله ﷿:
_________________
(١) ١ وهذا من جملة منكراته وسيأتي الرد على ذلك. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه في "صفات المنافقين" ٦٩، وأحمد في "المسند" ١/ ٣٨٥، ١/ ٤٠١، وانظر أطرافه في: "نصب الراية" ١/ ٤٣٤، "الدر المنثور" ٦/ ١٨، "مشكل الآثار" ١/ ٢٩، "كنز العمال" ١٢٤٢، "إتحاف السادة المتقين" ٥/ ٣١٣، ٧/ ٢٦٧، "مشكاة المصابيح" ٩٧، "معجم الطبراني" ١٠/ ٢٦٩، "دلائل النبوة" للبيهقي ٧/ ١٠٠، ولأبي نعيم ١/ ٥٨، و"البداية" لابن كثير ١/ ٥٢، وتفسيره ٤/ ٣٦١، وغير ذلك.
[ ٩٢ ]
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ١.
وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة جراحة يجريها ملك أو طبيب! ويحسن أن نعرف شئيًا عن أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السُّنة.
عن عائشة: "أن بعض أزواج النبي -ﷺ- قلن: يا رسول الله أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: "أطولكن يدًّا، فأخذن قصبة يذرعنها فكانت سودة أطولهن يدًّا"، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها: الصدقة، وكانت تحب الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به"٢.
_________________
(١) ١ سورة الانشراح الآيات: ١، ٢، ٣. ٢ "فقه السيرة" ص: ٤٩، ٥٠. والحديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه ص: ١٩٠٧، والبخاري ٣/ ٣٨٥ وغيرهما ولكن ما أدري كيف تشتد الغفلة بالمرء، فيستدل بما ليس بدليل، ويعتمد ما ليس بحجة، وإن الكلام على هذا الحديث وشرحه يطول، حتى يمكن أن يصنف في معنى هذا الحديث، وما وقع من الخلاف فيه، ونحن نختصر في ذلك ما أمكن. فاللفظ الوارد في المتن هو البخاري، وخالفه مسلم فيه ولفظه: قال ﷺ: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًّا، قالت: فكن يتطاولن أيهن أطول يدًّا، فكانت زينب أطوالنا يدًّا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق". وقد وقع بين العلماء كلام طويل في ترجيح أي الحديثين، نقل بعضه ابن حجر في "الفتح" ٣/ ٣٨٦-٣٨٨. وقد جاء سياق في "المستدرك" ٤/ ٢٥ يبين أن أطولهن ذراعًا لم تكن زينب، ومع ذلك كانت أسرع زوجاته موتًا بعده، وذلك لطول يدها في الصدقة. فأقول هنا: فإن كان على لفظ البخاري، فلا دليل للغزالي، لأن الرواية صحت بالحقيقة والمجاز. وإن كان على لفظ مسلم، فلا دليل على نفس الحقيقة، وإنها غير مراده. وأما اللفظ الذي كان يمكن أن يستدل به فهو لفظ المستدرك، وغفل عنه، وهو لا حجة فيه لمن تأمل، لأن زوجاته لم يفهمن منه إلا الحقيقة، لكونه لا يصار إلى المجاز إلا بقرينة تصرف الكلام إليه، أو بامتناع إرادة الحقيقة -كما هو مقرر في كتب الأصول حتى لا تصرف كل الألفاظ عن ظواهرها، وتبطل الأدلة- =
[ ٩٣ ]
ونحن نقول: إن محمدًا -ﷺ- لم تدعه العناية غرضًا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، وإنه لو لم يقم الملكان بشق صدره لما كان أبدًا غرضًا للوساوس، بل لكان مثله كمثل جميع الرسل الذين اصطفاهم الله من عباده وطهر قلوبهم من الوساوس دون أن تشق صدورهم.
وإنما أراد الله بهذه الحادثة الفريدة في نوعها أن تتوجه الأنظار والقلوب إلى محمد -ﷺ- في طفولته وبعد بعثته. ويعرف الناس عنه أن عناية خاصة تحيط به وتميزه عن غيره، وأن العناية التي أحيت الموتى وأبرأت الأكمه والأبرص على يدي المسيح -﵇- هي العناية التي شقت صدر محمد -ﷺ- ثم أرجعته في لحظات إلى حالته الطبيعية. وهذا شأن المعجزات التي لا تخضع ولا ترتبط بالأسباب العادية.
ولا ينبغي بأي حال أن تحمل القصة على أنها من الأساليب المجازية، لأن سياق القصة والتعبير بلفظ: "جاءني رجلان عليهما ثياب بيض"، وكلمة "فأضجعاني وشقا بطني"، وفرار أخيه من الرضاعة فزعًا مما رأى، ومجيء السيدة حليمة هي وزوجها بعد أن أخبرهما ولدهما بما أصاب أخاه محمدًا -ﷺ- ومقابلتهما لمحمد -ﷺ- وهو منتقع لونه، وحكايته للقصة مرة ثانية بنفس هذه
_________________
(١) = ولما لم تكن من قرينة، ولا امتناع من مراد الظاهر، امتنع التأويل، وفيهن فقيهة الفقيهات أم المؤمنين عائشة -﵂- التي من نظر فيها استدركته على الصحابة علم مقدار فقهها. ثم لما ماتت من ليست بأطولهن يدًّا -على رواية المستدرك- وخبر الصادق لا يتخلف، توجب صرف اللفظ عن ظاهره بإرادة معنى الصدقة. وهنا أسأل: ما المانع من إرادة الظاهر والحقيقة؟! وما القرينة المحتمة صرف اللفظ عن ظاهره؟! وفيما سيأتي زيادة كذلك.
[ ٩٤ ]
الألفاظ- كل ذلك يجعل الحقيقة في هذه القصة واضحة لذي عينين، ويبعد بها عن الأسلوب المجازي بعد المشرقين.
وإذا كان بعض المستشرقين ينكر هذه الحادثة لأنها تعتمد على رواية طفلين لا يصح الأخذ بقولهما، فإننا نرى أن رواية الأطفال كثيرًا ما تكون بعيدة عن الكذب والاختلاق أكثر من رواية الرجال.
ومع ذلك فقد تحدث الرسول -ﷺ- عن هذه الحادثة بعد البعثة حينما كان يسترجع ذكريات الطفولة ويقصها على أصحابه، وأخبر عن المرة الثانية التي وقعت له في ليلة الإسراء والمعراج١.
وإذن فالرأي الذي نرتضيه هو أن حادث شق الصدر قد وقع بطريقة حسية، وأنه من الإرهاصات التي تبشر بنبوة محمد -ﷺ- وتسلط الأضواء عليه قبل النبوة، إذ ليس هناك ما يمنع من ذلك ما دمنا نؤمن بالعناية الإلهية التي تصاحب الأنبياء منذ فجر حياتهم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
_________________
(١) ١ وقد تقدم ذكر ذلك وأكثر، وحادثة شق الصدر لا يرتاب فيها من شم رائحة العلم.
[ ٩٥ ]