مؤامرة بني قريظة على الرسول -ﷺ- والمسملين:
وفي هذه المحنة الشديدة التي أصابت المسملين بتجمع الأحزاب عليهم وانسحاب المنافقين من صفوفهم، انتهز يهود بني قريظة وكانوا يساكنون المسلمين بالمدينة- هذه الفرصة واستجابوا لتحريض بني النضير لهم، فنقضوا العهود التي بينهم وبين المسلمين وانقلبوا عليهم.
وكأنما رأى يهود بني النضير -وعلى رأسهم حيي بن أخطب- أن حصار الأحزاب للمسلمين ووقوفهم أمام الخندق سيطول أمده، وربما انتهى الأمر بفشلهم، وذلك خزي الدهر وعار الأبد.
وعرف هؤلاء اليهود من بني النضير أنه ما دام إخوانهم من يهود بني قريظة لا يزالون على ولائهم لمحمد -ﷺ- فإن الأمر -في أغلب الأحوال- لن ينتهي بالخير الذي يتوقعونه، إذ تصبح هزيمة محمد -ﷺ- والمسلمين بعيدة المنال، ومن يدري إذا انتصر محمد -ﷺ: ماذا يفعل بهم جميعًا؟
[ ٢٧٥ ]
ومن أجل ذلك دبروا أمرهم وأحكموا مكرهم، وتفننوا في أساليب الإغراء والترغيب حتى خدعوا يهود بني قريظة، وأخرجوهم عن الولاء لمحمد -ﷺ- والمسلمين، فبدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.
ويروي المؤرخون في ذلك: أن حيي بن أخطب زعيم بني النضير أتى كعب بن أسد القرظي زعيم بني قريظة.. فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دونه.
فاستأذن حيي عليه فأبى أن يفتح لها فناداه: ويحك يا كعب، افتح لي يا كعب، افتح لي. قال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله ما أغلقت بابك إلا خوفًا على جشيشتك أن آكل معك منها فغضب كعب حينما سمع هذه الكلمة وفتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئت بعز الدهر وبحر طام، قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها وبغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني -والله- بذل الدهر. وبجهام١ قد أريق ماؤه، يرعد ويبرق، وليس فيه شيء ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاءً وصدقًا.
وقد ظل حيي يستميل كعبًا إليه بشتى الحيل والأساليب ويحرك فيه عاطفته الدينية حتى غلبته يهوديته، بل غلبته شقوته فنقض العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله -ﷺ- من إخاء وولاء، وتبعه في ذلك يهود بني قريظة جميعًا.
_________________
(١) ١ الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.
[ ٢٧٦ ]
ولما انتهى الخبر إلى رسول الله -ﷺ- وإلى المسلمين، بعث سعد بن معاذ وهو -يومئذٍ- سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو -يومئذٍ- سيد الخزرج، ومعهما رجلان، وقال:
"انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنتظروا: أحق ما بلغنا عنهم؟ فإن إن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس".
قال: فدخلوا حتى أتوهم فدخلوا معهم حصنهم ودعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، ولكنهم قابلوهم بالسباب والمشاتمة، ونالوا من رسول الله -ﷺ- وأساءوا، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد.
فلما رجعوا إلى الرسول -ﷺ- وأخبروه، هاله الآمر وآلمه، ولكنه كان مطمئنًا إلى نصر الله وتأييده، وما دام هؤلاء اليهود من بني قريظة قد بدءوا بالغدر والخيانة فسوف يحيق بهم مكرهم ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ١.
وقد عظم الكرب واشتد بلاء المسلمين حينما عرفوا ذلك الموقف من هؤلاء اليهود وحينما رأوا أنهم بدءوا فعلًا يقطعون معاونتهم للمسلمين، وحينما وجدوا أن الأحزاب قد انتهزوا فرصة نقض هؤلاء اليهود لعهدهم وبدءوا يستعدون لهجوم عنيف من فوق الوادي، ومن جنبه، ومن جهة الخندق.
أجل لقد عظم الكرب واشتد البلاء بالمسلمين، ومرت بهم لحظات مريرة وأوقات عصيبة، وأخذت الوساوس والظنون تطوف بنفوسهم، وبل تملأ نفوس البعض منهم، حتى لقد خيل إليهم أن الأحزاب عمّا قليل سيدخلون المدينة
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية ٤٣.
[ ٢٧٧ ]
فيغيب عنها نور الإسلام وتعود إلى عهود الظلام.
وإلى ذلك الموقف الرهيب يشير الله -﷿- بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآيتان ١٠، ١١.
[ ٢٧٨ ]