المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام:
كان أهل مكة يحجون إلى الأصنام ويقدمون لها القرابين. وكان لا يجوز أن تقتلع أشجار من حماها، ولا يصاد صيدها، ولا يراق دم آدمي فيها، تعظيمًا لشأنها وتقديها لها، حتى إن بعض العرب كانوا يضيفون إليها أسماءهم، فكان "عبد العزى" من الأسماء الشائعة عندهم والمحبوبة لديهم.
وكانت الكعبة في ذلك العصر الجاهلي مقر الوثنية، إذ كانت تحيط بها الأصنام من كل جانب، وكان أعظمها عندهم هبل وهو تمثال من العقيق الأحمر على شكر إنسان مكسور اليد اليمنى، وقد أدركته قريش وهو على هذا الوضع فصنعت له يدًّا من ذهب.
أما عقيدتهم في تلك الأصنام، فكانوا فريقين: فبعضهم كان يعبدها على أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه.
ويقولون إذا سئلوا عن الخالق الرازق؟ إنه هو الله. وإذا سئلوا عن الأصنام؟
[ ٥٧ ]
يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
وبعضهم كان يعبدها على أنها هي الآلهة التي تضر وتنفع وتعطي وتمنع، وهؤلاء هم عامتهم وضعفاء العقول منهم، وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم عجبوا من محمد -ﷺ- لأنه جعل الآلهة إلهًا واحدًا.. وذلك في قوله حكاية عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢.
وكان هناك قوم في اليمن يعبدون الشمس، وهم الذين ذكر الله قصتهم في القرآن الكريم مع سليمان -﵇- في قوله تعالى حكاية عن الهدهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ٣.
كما كان هناك طائفة من العرب يعبدون النار وهم المجوس، وقد انتقلت إليهم هذه الديانة من الفرس الذين كانوا يجاورونهم، وكذلك كانت توجد اليهودية في يثرب وخيبر، والمسيحية في الحيرة وغسان.
وهكذا كانت توجد في شبه الجزيرة العربية أديان مختلفة إلا أن الوثنية كانت
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية ٣. ٢ سورة ص، الآية ٥. ٣ سورة النمل، الآيات ٢٢ -٢٣-٢٤. ولكن لا يمكن التأكيد بكون هذه الطائفة بقيت لزمن النبي -ﷺ- من خلال هذه الحادثة، لأن ملكتهم بلقيس قد أسلمت مع سليمان لله رب العالمين. نعم، يمكن فهم ذلك من الأحاديث الكثيرة التي جاء فيها النهي عن الصلاة عند شروق الشمس واستوائها في وسط السماء وغروبها، فإن كثيرًا من العلماء قالوا: لأن هذه الأوقات هي أوقات صلاة عباد الشمس.
[ ٥٨ ]
هي السائدة، إذ كانت تدين بها الغالبية العظمى والأكثرية الساحقة، حتى ليمكننا أن نقول عن العرب حينئذٍ غير مبالغين: إنهم كانوا قوما وثنيين!!.
ومن الإنصاف أن نقول: إن أهل مكة لم يستسلموا لعبادة الأصنام بسهولة، ولكنها وجدت مقاومة ومعارضة لم تلبث أن انهارت بقوة الحاكم وشدته، ومهد لذلك فسق جرهم وخروجها عن سبيل الحق، ومما يشير إلى هذه المقاومة ويدل على أن العرب كانوا قبل خزاعة يدينون بالتوحيد وما ورد في الشعر الجاهلي من نعي على عمرو بن لحي الخزاعي، وأسف على ما جلبه إلى مكة من الخطايا والآثام.. فيقول قائلهم:
يا عمرو إنك أحدثت آلهة شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رب واحد أبدًا فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفن بأن الله في مهل سيصطفي دونكم للبيت حجابا.
ومن الإنصاف لهذا العصر -كذلك- أن نقول: إن هناك أفرادًا قلائل قد استطاعوا بين هذه الظلمات المتكاثفة أن يصلوا إلى طريق الحق ويهتدوا إلى فساد عبادة الأصنام بعقولهم، ويدركوا أن هناك إلهًا واحدًا لا شريك له ولا معقب لحكمه، وهؤلاء هم الحنفاء "أي الذين مالوا عن الباطل واتبعوا الدين الصحيح" ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل، وهو ابن عم عمر بن الخطاب. ويذكرون عنه أنه ترك عبادة الأصنام وصار يطوف ببلاد العرب وما جاورها يبحث عن دين إبراهيم -﵇- حتى هداه الله إلى الحق وهو الذي قال بعد أن ترك عبادة الأصنام ١:
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ١/ ٢٤٢ وما بعدها.
[ ٥٩ ]
أرب واحد أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور؟
تركت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الرجل البصير
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي بني عمرو أزور
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور
وقد شاء الله أن يموت زيد قبل البعثة النبوية بقليل.
ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي كان يقول:
هاج للقلب من هواه أذكار وليال خلالهن نهار
وجبال شوامخ راسيات وعيون مياههن غزار
ونجوم تلوح في كل فج مشرقات وفي الدجى أقمار
والذي قد ذكرت دل الله نفوسًا لها هدى واعتبار
ومهما كان الأمر فهم قلة ضئيلة ضاقت نفوسهم بالوثنية الفاسدة فانطلقوا إلى الآفاق الرحبة الفسيحة يلتمسون الهدى، ويرجون الحق لذاته، فأدركتهم رحمة الله وصاحبتهم عنايته ورعايته. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
[ ٦٠ ]