الفصل الثاني: من ميلاد الرسول -ﷺ- إلى بدء الدعوة الإسلامية
يختلف المؤرخون حول اليوم الذي ولد فيه محمد بن عبد الله -ﷺ-، بل وحول العام الذي ولد فيه كذلك، ولعل السر في هذا الخلاف أنه حينما ولد لم يكن أحد يتوقع له مثل هذا الخطر، ومن أجل ذلك لم تتسلط عليه الأضواء منذ فجر حياته. فلما أذن الله أن يبلغ الرسول -ﷺ- دعوته بعد أربعين سنة من ميلاده، أخذ الناس يسترجعون الذكريات التي علقت بأذهانهم حول هذا النبي، ويتساءلون عن كل شاردة وواردة من تاريخه، وساعدهم على ذلك ما كان يرويه الرسول -ﷺ- نفسه عن الأحداث التي مرت به أو مر هو بها منذ نشأته الأولى وكذلك ما كان يرويه أصحابه والمتصلون به عن هذه الأحداث.
وبدأ المسلمون -حينئذٍ- يستوعبون كل ما يسمعون من تاريخ نبيهم -ﷺ- لينقلوه إلى الناس على توالي العصور، ولكن مهما اختلفت الروايات في وقت ميلاده، فيكاد يجمع المؤرخون على أن الميلاد كان في النصف الأول من شهر
[ ٧٨ ]
ربيع الأول وفي عام الفيل، ويرجع أن ذلك كان في صبيحة الاثنين١ الموافق ٩ من ربيع الأول قبل الهجرة النبوية بثلاثة وخمسين عامًا، وهو يوافق اليوم المكمل للعشرين من شهر أغسطس سنة ٥٧٠ بعد ميلاد المسيح ﵇.
ويذكرون عن نسب رسول الله -ﷺ- أنه: محمد بن عبد الله٢ بن عبد المطلب٣ بن هاشم٤ بن عبد مناف٥ بن قصي٦،
_________________
(١) ١ أقول: كونه يوم الاثنين لا شك في صحة ذلك. فقد أخرج مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام رقم ١٩٧، وأحمد في "المسند" ٥/ ٢٩٧، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤/ ٢٩٣، وفي "دلائل النبوة" ١/ ٧١، ٧٢ وغيرهم عن أبي قتادة قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين. فقال ﷺ: "ذاك اليوم الذي ولدت فيه، وأنزل علي فيه". وهذا كاف فلا نطيل. وكذا كونه عام الفيل، كما صح عن ابن عباس، وقيس بن مخرمة عند أحمد ٤/ ٢١٥، والترمذي ٤/ ٥٨٩، و"سيرة ابن هشام" ١/ ١٧١، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٦١، و"دلائل النبوة" للبيهقي ١/ ٧٥، و"طبقات ابن سعد" ١/ ١٠١، و"المستدرك" ٢/ ٦٠٣ وبمثل هذا جاء الحديث عن قبات بن أشيم، ومحمد بن جبر، وغيرهم، كما أخرج ذلك عنهم البيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ٧٩. وأما الشهر، فهو ربيع الأول، على حد قول ابن إسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" ١/ ١٧١. ولم أقف في ذلك على شيء صحيح مسند. ولكن تتابع الناس عليه. ولذلك قال ابن الجوزي في "صفة الصفوة" ١/ ١٢: اتفقوا على أن رسول الله -ﷺ- ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، عام الفيل. واختلفوا فيما مضى من ذلك الشهر لولادته على أربعة أقوال: أحدها: أنه ولد لليلتين خلتا منه. الثاني: لثمان خلون فيه. الثالث: لعشر خلون منه. الرابع: لاثنتي عشرة خلت منه. ٢ الذبيح. ٣ وليس هو اسمه، ولكن سمي بذلك لأن والده قال لأخيه المطلب وهو بمكة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك بيثرب، واسمه فيما قيل: شيبة الحمد، وقيل عامر. ٤ واسمه عمرو، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يهشم الثريد لقومه في الجدب. ٥ واسمه المغيرة. ٦ واسمه مجمع، ولكن سمي بذلك لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة.
[ ٧٩ ]
ابن كلاب١ بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر٢ بن مالك بن النضر٣ بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن نزار بن مضر بن معد بن عدنان.. ويمتد نسبه بعد ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ٤.
وأما نسبه من جهة أمه، فأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.. ومعنى ذلك أن نسبه من جهة أبيه ومن جهة أمه يلتقيان في كلاب بن مرة، وهو الجد الخامس من جهة أبيه والرابع من جهة أمه.
وقد تناسل محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- من نكاح مشروع ولم يكن في أجداده من تلوث بسفاح الجاهلية٥. بل طهر الله أصوله تطهيرًا، ثم
_________________
(١) ١ واسمه حكيم، وقيل: عروة. ٢ واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكناني لا قرشي على الصحيح ٣ واسمه قيس. ٤ وما جاء في تسمية هذه الأسماء من عدنان إلى إبراهيم، فشيء ليس بمحفوظ ولا يعتمد عليه، كما كان ينكر ذلك ابن عباس وابن مسعود، ويحتج ابن عباس على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ . ويحتج ابن مسعود بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾، وهذه حجة قوية جدًّا تقطع دابر قول القائلين. وما أحسن ما قال العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية" ١/ ٩٦: "فالذي ينبغي لنا الإعراض عما فوق عدنان لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ، وعواصة تلك الأسماء، مع قلة الفائدة" انتهى. فائدة: جاء حديث عن أنس مرفوعًا ذكر فيه النبي -ﷺ- نسبه لعدنان كما مضى وسنده ضعيف، كما في "البداية" ٢/ ٢٥٥ أخرجه البيهقي. ٥ وقد جاء في هذا حديث من طرق، وأوجه مختلفة تفيد قوة الخير: أ- عن علي رفعه: "ولدت من نكاح لا عن سفاح ولم يصبني عهر الجاهلية"، أخرجه ابن شاذان وغيره كما في "فوائد ابن قانع" ١/ ١٦٣ ق. وبلفظ: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء"، أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" ص ١٣٦، والجرجاني في "تاريخ جرجان" ص ٣١٨، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" =
[ ٨٠ ]
_________________
(١) = رقم ١٤، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ٢٦٧/ ١، والطبراني في "الأوسط" ١/ ٥/ ٢٩١ رقم ٣٤٨٣ من "مجمع البحرين"، والعدني في مسنده كما في "الدر المنثور" ٢/ ٢٩٤، ومن طريقه أخرج الطبراني الحديث. وابن عدي في "الكامل" ١/ ٣٦٦ ق. وسنده ضعيف، والصحيح عندي أنه مرسل عن جعفر بن محمد عن أبيه، كما أخرجه ابن جرير في "التفسير" ١١/ ٥٦ والبيهقي ٧/ ١٩٠، وابن عساكر ١/ ٢٦٧/ ٢، وغيرهم، كابن سعد ١/ ٣١، وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، كما في "الدر" ٢/ ٢٩٤. وقد صحح إرسال الحديث عن جعفر بن محمد، دون الوصل عن علي، الذهبي في "تاريخ الإسلام" ١/ ٢٩، والحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٥٦ فقال: هذا مرسل جيد، وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم وقال عن الموصول عن علي: غريب من هذا الوجه ولا يكاد يصح. ب- عن عبد الله بن عباس عن النبي -ﷺ-: "خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح"، أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ١/ ٣٢، وبلفظ: "لم يلتق أبواي من سفاح، ولم يزل الله ينقلني من أصلاب طيبة "، أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" رقم ١٥. وبلفظ: "ما ولدني من نكاح الجاهلية شيء، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام"، أخرجه الطبراني في "الكبير" ٣/ ٩٩/ ١، والبيهقي ٧/ ١٩٠. أخرجوه من طرق لا تخلو من مقال. لذلك ضعفه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ١/ ٢٩، وابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٥٦، وللحديث لفظ مطول عند ابن عساكر ذكره ابن كثير في "البداية" ١/ ٢٥٨، وذكر تضعيف ابن عساكر له، ثم قال: منكر بهذا الطول. ج- عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "ما ولدتني بغي قط ". أخرجه ابن عساكر ١/ ٢٦٧/ ١ بسند ضعيف، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير ٢/ ٢٥٦. د- عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "ولدت من نكاح غير سفاح"، أخرجه ابن سعد ١/ ٣٢، وعنه ابن عساكر ١/ ٢٦٧/ ١، وابن الجوزي في "التحقيق" ٣/ ٩١/ ٢ بسند ضعيف كذلك. هـ- عن أنس، أخرجه البيهقي كما في "البداية" ٢/ ٢٥٥ وضعف سنده، وسياقه مطول اشتمل على كثير من الألفاظ الماضية. وللحديث شواهد موقوفة أيضًا، وأخرى مرفوعة بغير هذه الألفاظ، ساق كثيرًا منها الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٥٧ وقال: وهذه الأحاديث وإن كان في رواتها من لا يحتج به فبعضها يؤكد بعضًا، ومعنى =
[ ٨١ ]
اصطفاه بعد ذلك من هذه الأصول الطاهرة ليكون هدى ونورا ورحمة للعالمين، وفي ذلك يروي الإمام مسلم١ عن رسول الله -ﷺ-: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وكان عبد الله بن عبد المطلب قد تزوج من آمنة بنت وهب، وهي يومئذٍ من أفضل نساء قريش نسبًا، وأكرمهن ذكرًا، ولكن لم يمكث عبد الله مع زوجته إلا وقتًا قصيرًا ثم خرج في رحلة تجارية إلى الشام.
وقد شاء الله أن ترجع القافلة التجارية من الشام ويتخلف عبد الله بالمدينة عند أخواله من بني عدي بن النجار لشدة مرضه حيث أدركته الوفاة، وزوجته آمنة في شهور الحمل الأولى وكان عمره ثمانية عشر عامًا٢
_________________
(١) جميعها يرجع لحديث واثلة بن الأسقع -الذي أخرجه مسلم في صحيحه: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل "، الحديث. وسيذكره المؤلف وقد تقدم الحديث المروي من طريق جيد: "ولدت من نكاح لا من سفاح". انتهى، وقد قوى الحديث السيوطي. وانظر هذا الحديث في: "مجمع الزوائد" ٨/ ٢١٤، "الدر المنثور" ٣/ ٢٩٤، "المطالب العالية" رقم ٢٥٧، "كنز العمال" ٣٦٨٦٨ وما بعده، "التلخيص الحبير" ٣/ ١٧٢، "نصب الراية" ٣/ ٢١٣، "تفسير البغوي" ٣/ ١٧١، وهو حديث جيد قوي بطرقه وشواهده وقد قواه السبكي، كما نقل عنه ذلك صاحب "السيرة الحلبية" ١/ ٦٨ واعتمد الحديث هو. ١ "٣/ ٢١٢" وقد جاء هذا الحديث بألفاظ يطول ذكرها جدًّا، أورد أكثرها صاحب "السيرة الحلبية" ١/ ٤٣ وما بعدها. ٢ قال القسطلاني في "المواهب" ١/ ١٢٢: ولما تم لها شهران توفي عبد الله وقيل: توفي، والنبي -ﷺ- في المهد، قال الدولابي -وعزاه السهيلي لأكثر العلماء- وعن ابن أبي خيثمة: توفي وهو ابن شهرين. وقيل: وهو ابن سبعة= وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين. قال القسطلاني: والراجح المشهور الأول. انتهى. قلت: وانظر القصة عند ابن إسحاق ١/ ١٨٠، وابن كثير ٢/ ٢٥٠، والبيهقي في "الدلائل" ١/ ٨٦-٨٧، والقصة قالها ابن إسحاق والزهري، مرسلة. وأما سن عبد الله يوم وفاته، فقد ذكر ابن سعد ١/ ٦٣ عن الواقدي بسنده: كان سنّه خمسًا وعشرين.
[ ٨٢ ]
ولما تم حمل آمنة ووضعت ولدها جاء البشير إلى جده عبد المطلب فأخبره بهذا النبأ العظيم ففرح عبد المطلب بهذه البشرى وأقبل مسرورًا وحمل الوليد الصغير بين يديه، وذهب به إلى الكعبة ليباركه. وتذكر الروايات أنه حينئذٍ أخذ يقول:
الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه بالبيت ذي الأركان
أعيذه من شر ذي الغلمان من حاسد مضطرب العيان١
ثم سماه محمدًا، ولم يكن هذا الاسم شائعًا عند العرب قبل ذلك٢ ولكن
_________________
(١) ١ "الوفا بأحوال المصطفى" ١/ ١٦٢ لابن الجوزي و"الروض الأنف" ١/ ١٨٤ للسهيلي، وذكر أبياتًا أخرى لم يذكرها المؤلف، في آخرها: "أحمد مكتوب البيان". ٢ قال ابن سعد في "الطبقات": ١/ ١١١-١١٢ بأن العرب كانت تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبيًّا يبعث من العرب اسمه محمد. فسمى بعض العرب أبناءهم محمدًا طمعًا بذلك وأسند ذلك عن سعيد بن المسيب ثم ذكر منهم محمد بن خزاعي، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد الجشمي في بني سواءة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقيمي. وأسند ذلك عن ابن إسحاق وغيره. وقال السهيلي في "الروض" ١/ ١٨٢ هم ثلاثة -بحسب ما قال ابن إسحاق: محمد بن سفيان بن مجاشع، والآخر: محمد بن أحيحة بن الجلاح، ومحمد بن حمران بن ربيعة.. انتهى. قلت: فعند السهيلي غير من ذكر ابن سعد أيضًا، ومن تتبع وجد أثر من ذلك.
[ ٨٣ ]
الله ألهم جده بهذه التسمية، وقال: سميته محمدًا ليكون محمودًا عند الله وعند الناس.
ويروون في ذلك: أن عبد المطلب قد رأى في نومه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف في الشرق وطرف في الغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها، فعبِّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدًا١.
وقد ذكرت بعض كتب السيرة أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وغاضت بحيرة ساوه، وانهدمت الكنائس التي حولها٢، وعبر عن
_________________
(١) ١ عند السهيلي في "الروض الأنف" ١/ ١٨٢: قد ذكر حديث الرؤيا على القيراوني في كتاب "البستان" انتهى. أقول: ولا مانع من صحة هذه الرؤيا، لكون الرؤيا قد تصدق للكافر، كما صدقت لفرعون مصر زمن يوسف ﵇كما نصت على ذلك الآيات- أفلا تصدق ممن كان مثل عبد المطلب. نعم، لا نجزم بثبوتها، لأن الإثبات يفتقر إلى دليل، وهو معدوم. ٢ ذكرت هذه الإرهاصات في حديث يرويه على بن حرب، عن أبي أيوب يعلى بن عمران، حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه -وقد أتت عليه خمسون ومائة سنة- فذكر هذه الوقائع. أخرج ذلك الخرائطي في "هواتف الجان" عن علي بن حرب -كما في "البداية" ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩- ولا تعرف القصة بغير هذا لإسناد الضعيف كما عند البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٢٦، وأبي نعيم ١/ ١٣٨، والباقي مراسيل، وانظر كذلك: "الوفا" ١/ ٩٧، و"تاريخ الطبري" ٢/ ١٣٨ وما بعدها، و"شرح المواهب اللدنية" ١/ ١٢١، و"الخصائص الكبرى" للسيوطي ١/ ٥١، و"الإصابة" لابن حجر ٣/ ٥٩٧، و"جامع المسانيد والسنن" ١٢/ ٢٥٩، و"أسد الغابة" ٤/ ٢٧٠ وفي حواشي دلائل أبي نعيم ١/ ١٣٨ وما بعدها ذكر مواضع رويت فيه غير ما ذكرت.
[ ٨٤ ]
ذلك البوصيري في قصيدته المشهورة، فقال:
أبان مولده عن طيب عنصره يا طيب مبتدإ منه ومختتم
يوم تفرس فيه الفرس أنهم قد أنذروا بحلول البؤس والنقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف عليه والنهر ساهي العين من سدم
وساء "ساوه" أن غاضت بحيرتها ورد واردها بالغيظ حين ظمي
ويقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة: إن هذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد -ﷺ- كان حقًّا إيذانًا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه.
وقد كانت رسالة محمد بن عبد الله أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي١، وكان جند القرآن أعدل رجال وعاهم التاريخ وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدين وكسر شوكتهم طاغية إثر طاغية، فلما أحب الناس -بعد انطلاقهم من قيود العسف- تصوير هذه الحقيقة، تخيلوا هذه الإرهاصات وأحدثوا لها الروايات الواهية٢، ومحمد -ﷺ- غني عن هذا كله، فإن نصيبه
_________________
(١) ١ المرتبط بمفاهيم النصوص، وحكم التشريع الإلهي ومقاصده. ٢ الجزم بكون هذه الروايات محدثة، يفتقر إلى دليل، وهو جود كذاب في السند معروف، ثم بوجود نكارات أخرى في السند أو المتن -ليس هنا موضع ذكرها- والسند ليس فيه شيء من ذلك، بل قصارى ما فيه أن فيه مجاهيل لا يعرفون، فضعف بسبب ذلك. ولذلك أورده لهانئ جماعة في الصحابة، ولم يعترض معترض من الأئمة كابن حجر وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم كثير على أن في السند وضاعًا أو كذابًا، ولا أنكر منهم الحديث برمته، بل كان جل اعتراضهم أنه ليس في الحديث ما يدل على صحبة هانئ. والقاعدة الاصطلاحية، أن الحديث الضعيف لا يقطع ببطلانه لمجرد عدم ثبوت سنده، لا سيما إذا كان ليس من النصوص الشرعية فالإجماع منعقد على ذلك فالحق أن هذه الروايات لا تصدق ولا تكذب، حتى يقوم دليل على أحد الأمرين. وقد ثبت في السنة خوارق أقوى مما في هذا الخبر، وأشياء دون ذلك، ولا نقول: محمد -ﷺ- غني هذا، أو غير غني. وإن كنا لا نشك أنه غني مثل تكليم الحيوان وحنين الجذع وغير ذلك مما ثبت في الأحاديث الصحيحة. فالاستغناء شيء، وحصول الأمر شيء آخر.
[ ٨٥ ]
الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها.
ونحن نزيد على ما قاله الشيخ الغزالي فنقول: إن معظم الكتب الأصلية في التاريخ والسيرة وكتب السنة الصحيحة لم تذكر هذه الإرهاصات فيما ذكرت من سائر الإرهاصات والمعجزات١ التي رويت عن الرسول -ﷺ.
ومثل هذه الحوادث الخطيرة لا يمكن إغفالها إذا وقعت. ولو أن أعداء الإسلام رأوها لما أنكروها. بل كانوا يسجلونها في كتبهم التي أرخوا فيها لتلك الفترة ويقولون عنها: إنها ترجع إلى أسباب كونية وعوامل طبيعية، ويحاولون أن يلتمسوا لها أي تعليل يخرج بها عن إثبات الفضل لمحمد -ﷺ- ولدينه، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن٢، وبهذا يصبح واضحًا أن مثل هذه الروايات لا تحمل من أسباب القوة٣ ما يجعلنا نطمئن إليها ونرجح وقوعها.
_________________
(١) ١ أما كتب السنة الصحيحة، فلم تذكر نعم، لضعف السند، وأما ادعاءه أن ذلك ليس في الكتب الأصلية!!. فما أدري إن كان يوجد أصل من هذه الكتب التي ذكرت في التاريخ والسيرة، كالبداية، ودلائل النبوة، وغير ذلك ما ذكر فيما مضى. وأزيد هنا "المواهب اللدنية" ١/ ١٣٠ للقسطلاني وزاد نسبته لابن عساكر، ونقل كلامًا يفيد اعتماد الحكاية -والصواب عدم اعتمادها- عند ابن ظفر وابن سيد الناس اليعمري. ٢ هذا يحتاج لاستقراء كبير وتتبع بالغ، ونفي العلم بالشيء لا ينفي الحصول وما أدري ما يضر المؤلف والغزالي إذا ما ثبت تلك الحوادث؟. ٣ نعم، لا تحمل أسباب القوة الإسنادية فنطمئن إليها، ولكن كذلك لا تحمل ما يجعلنا ننكرها، فليفهم.
[ ٨٦ ]