الفصل الثالث من بدء الدعوة إلى الهجرة النبوية
كان لا بد أن يبلغ الرسول -ﷺ- تلك الرسالة الغالية التي حملها إلى الناس نذيرًا لمن خالف بالعقاب، وبشيرًا لمن أطاع بالثواب، ومبينًا للناس طريق الحق الذي يوصلهم إلى الخير وينأى بهم عن الشر والضلال، فاستجاب له جماعة من أقربائه وأصدقائه الذين أراد الله لهم الخير والهداية، وهؤلاء هم السابقون الأولون ومنهم خديجة بنت خويلد -﵂- وعلي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وزيد بن حارثة مولى الرسول -ﷺ- وأم أيمن حاضنته، وهؤلاء من عشيرة الرسول -ﷺ- وأقربائه، ومنهم أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وغير هؤلاء ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه١.
_________________
(١) ١ وقصص إسلامهم جميعهم صحيحة، وأكثرها مخرج في كتب الفضائل، والخلاف الواقع في تعيين أول من أسلم، أصح ما يقال فيه، أن خديجة أول من أسلم إطلاقًا، ثم من الرجال أبو بكر الصديق، ومن الفتيان علي. وانظر "الكامل" ٢/ ٢٣٧ وما بعدها. و"المواهب" ١/ ٢٥ وما بعدها، و"البداية" ٢/ ٢٤ وما بعدها. و"دلائل البيهقي" ٢/ ١٦٠ وما بعدها.
[ ١١٢ ]
وكانت الدعوة في مبدأ أمرها سرية تتم في الكتمان والخفاء، حتى لا يقاومها الأعداء وهي لم تزل في مهدها الصغير، ثم تطورت بعد ثلاثة أعوام من بدء الوحي، حينما نزلت الآية:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
واتخذت مظهر الجهرية الصريحة والإعلان العام، فأصبح محمد -ﷺ- يجمع القوم ويكاشفهم بأمر الدين الحنيف، وقد بدأ بعشيرته الأقربين؛ فكلف ابن عمه علي بن أبي طالب أن يصنع لهم طعامًا، ويدعو أهله إليه وفيهم عمومته بنو عبد المطلب وأولادهم نحو الأربعين رجلًا. فلما اجتمعوا كلمهم الرسول -ﷺ- في شأن الدعوة الإسلامية، وما ينادي به من نبذ معتقداتهم الفاسدة والإيمان بالله وحده، فغضبوا وقاطعوا كلامه وانصرفوا مسرعين٢.
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية ٩٤. وهذا القول هو قول أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، كما في "المواهب" ١/ ٢٢٢. وذكر أن نزولها كان بعد ثلاث سنين. وكذلك جاء التصريح بالمدة عند ابن الأثير في "الكامل" ٢/ ٤٠. وأسند ذلك ابن سعد ١/ ١٩٩ عن القاسم، وسنده مرسل وضعيف. ولم أقف على سند صحيح، فيه كون الأمر بالجهر كان بعد ثلاث سنين. ٢ في الصحيحين ومسند أحمد، من حديث ابن عباس قال: "لما أنزل الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، أتى النبي -ﷺ- الصفا فصعد عليه، ثم نادى: يا صباحاه. فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله -ﷺ-: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني". قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب -لعنه الله: تبًّا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا. وانظر "البداية والنهاية" ٢/ ٣٨. وما نقله في ذلك من الروايات الكثيرة، والتي في بعضها وكما عند البيهقي في "الدلائل" أن عدد الحضور كان أربعين رجلًا. وقد رواه ابن إسحاق من طريق فيه متهم، لكن جاء الحديث عند ابن أبي حاتم في تفسيره من وجه آخر يقويه.
[ ١١٣ ]
ولكن الرسول -ﷺ- لم يفقد الأمل، ولم تضعف عزيمته فأعاد الوليمة ثانية في الغداة، فلما اجتمعوا قال لهم: "ما أعلم أن إنسانًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، لقد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ ".
فأعرضوا عنه، وهموا بتركه.
وكان عجيبًا أن ينهض علي وهو لا يزال صبيًّا، فيقول يا رسول الله، أنا حرب على من حاربت. وحينئذٍ ابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم، وأخذ نظرهم يتنقل بين أبي طالب وابنه، ويقولون لأبي طالب في سخرية: لقد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه. ثم انصرفوا مستهزئين١.
على أن استخفافهم هذا لم يقعده عن عزمه، ولم يسلمه إلى يأس؛ بل انتقل بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعًا.
واتجه رسول الله -ﷺ- نحو الصفا٢ يومًا، وصعد إلى أعلاه ونادى: "يا معشر قريش"، فقالت قريش: محمد على الصفا ينادي، وأقبلوا عليه يسألونه عن حاجته. فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم. أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة -وأخذ ينادي على باقي القبائل- إني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة
_________________
(١) ١ ذكر طرق هذه الحادثة في إعادة الوليمة في اليوم الآخر، وكلام علي، الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٣٩-٤٠ وعزاها للبيهقي في "الدلائل"، وابن أبي حاتم في تفسيره، وأحمد في المسند، وكأنه ذهب لتحسينها، والذي أراه تحسينها أيضًا، والله أعلم. ٢ الصخرات التي قرب الكعبة، حيث بداية السعي.
[ ١١٤ ]
نصيبًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله".
وهنا صاح أبو لهب، وكان رجلًا بذيئًا سريع الغضب: تبًّا لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا؟.
فسكت محمد -ﷺ- ونظر إليه نظرة يملؤها الأسى والأسف، ثم لم يلبث أن نزل الوحي عليه بقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَ﴾ ١.
وهكذا دمغه الوحي بهذه الآيات البينات التي كانت بمثابة التشجيع للنبي محمد -ﷺ- كما كانت سابقة فأل ومقدمة بشارة بأن الله سينصر الحق على الباطل، ويتم نوره ولو كره المشركون.
ولم يكن ذلك الموقف العدائي من مشركي مكة ليهدئ من حماس الرسول -ﷺ- للدعوة والتفاني في سبيلها؛ بل كان حافزًا قويًّا على النشاط في إذاعتها والمضي في سبيل انتشارها، مؤمنًا كل الإيمان، واثقًا كل الثقة بأن يدي أبي لهب هالكتان، وأنه لن يتمكن من العبث بالدعوة والوقوف في سبيل انتشارها بين أهل مكة، ولقد أسلم من زهد في الدنيا، ومن لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن النظر في هذه الدعوة الجديدة، التي كانت قائمة على التسامح والمحبة والعطف والمودة، والتي كان شعارها الحرية الحبيبة إلى نفس كل عربي يسكن شبه الجزيرة العربية، فلا سلطان لغير الله وحده، أما هبل واللات والعزى وغيرها من الأصنام فهي لا تنفع ولا تضر، بل ولا تغني عن نفسها شيئًا.
_________________
(١) ١ هذا هو الحديث الذي قدمته قبل قليل عن ابن عباس، وذكرت صحته، ولكن ليس فيه ولا في غيره ما يدل على أنه وقع بعد قصة علي الماضية. وإن كان لا يخفى أنه -ﷺ- قد دعا قومه طوال تلك الفترة لمرات كثيرة.
[ ١١٥ ]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ١.
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية ١٦. ٢ سورة الأنعام، الآية ١٧. ٣ سورة الحج، الآية ٧٣.
[ ١١٦ ]