وهذا مشهد رهيب في ميدان المعركة الكبرى، يتجلى فيه الصراع المرير بين العقيدة والعاطفة. إنه وَلَدٌ مسلمٌ مؤمنٌ يقفُ في صفوف المقاتلين المسلمين وأمامه والده المشرك يقف في صفوف المقاتلين المشركين، أما الوالد فهو عتبة بن ربيعة، وأما الولد فهو أبو حذيفة بن عتبة.. وها هو ذا أبو حذيفة ينظر إلى والده عتبة بعينين تفيضان بالأسى، وتقطران من الحزن واللوعة، إنه يعرف لأبيه فضله، ويقدر له رأيه وعقله، وكان يتمنى أن يفيق أبوه من سكرته، فيترك عبادة الأصنام، ولقد أخذ الولد يتوسل لأبيه ويناديه أن يفيء إلى الحق، ولكن الوالد الجاحد المعاند يظل سادرًا في الغي والضلالة، حتى يسلمه غيه وضلاله إلى
[ ٢٣٠ ]
أسوأ مصير فيسقط صريعًا في صفوف المشركين.
وحينما انجلت المعركة وتم النصر للمسلمين، أمر رسول الله -ﷺ- أن يلقى المشركون في القليب، فلما أُخذ عتبة بن ربيعة وسحب إلى القليب، نظر رسول الله -ﷺ- إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة فوجده قد تغير فقال له: "يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ ".
فقال: لا، والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي حلمًا ورأيًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك، فدعا له الرسول -ﷺ- بخير وقال له خيرًا.
ولا شك أن هذا الموقف العجيب من الولد نحو أبيه في تلكم المعركة التي قامت بين الحق والباطل، ليأخذ بأيدينا إلى عبرة بالغة ويسلمنا إلى حقيقة رائعة، وهي أن العقيدة إذا امتزجت بالنفوس واطمأنت بها القلوب فلن يخدعها هوًى أو رغبة، ولن تقف في سبيلها أية عاطفة في هذا الوجود.
[ ٢٣١ ]