وأمام هذا الخطر الزاحف الذي هدد قريشًا وأفزعها، وعلى الأخص بعد أن أسلم حمزة وعم واشتد بهما ساعد المسلمين.
وبعد أن هاجر هذا العدد الكبير من المسلمين إلى الحبشة وعجزت قريش عن إرجاعه وأصبح وجوده في هذه البلاد مثارًا للقلق ومبعثًا للشكوك، ونواة
_________________
(١) ١ وقد ذكر غير واحد من أهل السيرة حادثة المقاطعة قبل الهجرة الثانية للحبشة.
[ ١٤٥ ]
لشر منتظر عما قريب.
أمام ذلك كله فكرت قريش في سلاح رهيب تقاوم به هذا الشر والخطر، وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، فاتفقت على أن تقاطع بني هاشم وبني المطلب مقاطعة تامة، فلا يتزوجون من نسائهم، ولا يبيعون لهم شيئًا، ولا يشترون منهم، ولا يخالطونهم ولا يقبلون منهم صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله -ﷺ- للقتل.
وسجلوا هذه القرارات في صحيفة ختمت بأختام وعلقت في جوف الكعبة تأكيدًا لاحترامها١، فيكون الخروج عليها أو عدم الوفاء بما فيها بمثابة الخروج على العقيدة الموروثة. وكانوا يعتقدون أن سياسة التجويع والمقاطعة سيكون لها من الأثر ما يحقق أغراضهم.
وإزاء هذه المقاطعة الجائرة الغاشمة انتقل كل بني هاشم وبني المطلب ومعهم الرسول -ﷺ- إلى شعب كان يطلق عليه شعب أبي طالب، بظاهر مكة، يعانون الحرمان ألوانًا، حتى لقد بلغ من سوء حالهم أن أكلوا أوراق الأشجار. ولم يتخلف عن الانضمام إلى محمد -ﷺ- من بني هاشم سوى عمه أبو لهب الذي أسرف في تعصبه للأصنام وفجر في بغضه للإسلام، ولم يرع للقرابة حرمة، ولا للرحم مودة.
_________________
(١) ١ وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة القصة بلا إسناد، كما عند ابن هشام ١/ ٣٧٦ وغيره. وأسندها ابن سعد من وجوه متصلة ومرسلة "١/ ٢٣٢ ترتيب طبقاته"، وأسندها البيهقي في "الدلائل" من مرسلات الزهري ٢/ ٣١١. وأسندها أبو نعيم في "الدلائل"، من مرسلات عروة بن الزبير رقم ٢٠٥، ثم من كلام ابن إسحاق، ثم من حديث ابن عباس من طريق الواقدي، وفي بعض الروايات جميعها ما ليس في بعضها الآخر، وانظر "طبقات ابن سعد" ١/ ١٣٩، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٣٣٥، و"البداية" ٣/ ٨٤، و"السيرة الحلبية" ١/ ٤٤٩، و"الدرر في اختصار المغازي والسير" و"سبل الهدى والرشاد" ٢/ ٥٠٢، وغير ذلك.
[ ١٤٦ ]
واستمرت هذه المقاطعة المروعة ثلاثة أعوام متتابعة لم يجرؤ أحد من بني هاشم وبني المطلب خلالها أن يدخل مكة، ومع ذلك فقد ضربوا أروع الأمثال في الصبر والاحتمال، وكان أبو طالب يعلن قريشًا بأنه سوف يظل مؤيدًا لمحمد -ﷺ- مهما بلغت التضحيات وعظمت المتاعب، ويروى عنه أنه قال في وسط هذه المحنة:
فلسنا ورب البيت نسلم أحمد لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى إذ طار أرواح الكماة من الرعب١
ثم أذن الله لهذا الليل الطويل بالانتهاء، فقام خمسة من كرام الرجال هم:
هشام بن عمرو وزهير بن أمية والمطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، فشقوا صحيفة هذه المقاطعة وأعلنوا نقضها٢.
_________________
(١) ١ ومن عجيب ما وقع في هذه الأبيات من هذه القصيدة، ما جاء في أوائلها: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدًا نبيًّا كموسى خط في أول الكتب وانظر "سيرة ابن هشام" ١/ ٣٧٧-٣٧٨-٣٧٩. و"الروض الأنف" ٢/ ١٠٢-١٠٣. ٢ وقد ذكر ههنا ابن إسحاق وغيره في سبب نقض الصحيفة أن رسول الله -ﷺ- قال لأبي طالب: "يا عم إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسمًا هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان". فقال أبو طالب: أربك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش وقال: إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإن كان كاذبًا دفعت إليكم ابن أخي. فقال القوم: رضينا. ثم وجدوا الصحيفة على ما قال رسول -ﷺ- فزادهم ذلك شرًّا، "سيرة ابن هشام" ١/ ٣٧٩، و"البداية" ٣/ ٩٧، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٣١٤ وغير ذلك.
[ ١٤٧ ]
وحينئذٍ خرج بنو هاشم وبنو المطلب من هذا السجن الضيق المميت إلى معترك الحياة، ضاربين في الإخلاص لمحمد -ﷺ- أروع الأمثال، محتملين من التضحية ما ينوء بالأبطال.
[ ١٤٨ ]