تعالوا فانظروا معي تلك الفيوضات الإلهية، والمنح الربانية التي أفاضها الله ومنحها لرسوله -ﷺ- في تلكم الفترة، التي عمل المسلمون فيها في حفر هذا الخندق.
وقد جرت سنة الله -﷿- بأن يظهر على أيدي أنبيائه من المعجزات ما يثبت به القلوب القلقة، والنفوس الحائرة، ويزيد المؤمنين إيمانًا وتثبيتًا.
ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري١، عن جابر -﵁- قال: إنّا في يوم الخندق نحفر، فعرضت لنا كدية٢ شديدة، فجاءوا النبي -ﷺ- وقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر -وكنا قد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا- فأخذ النبي -ﷺ- المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فذهبت فقلت لزوجتي: رأيت بالنبي -ﷺ- شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي -ﷺ- والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي كادت أن تنضج، فقلت: قم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا، فقام المهاجرون
_________________
(١) ١ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ٧/ ٣٩٥ من "فتح الباري". ٢ أي صخرة عظيمة.
[ ٢٦٨ ]
والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك. جاء النبي -ﷺ- بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويقرب إلى أصحابه، ولم يزل هكذا حتى شبعوا جميعًا وبقيت بقية، فقال لزوجة جابر: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة".
وهناك رواية أخرى يذكرها الإمام البخاري عن جابر -﵁- فيقول: "لما علم النبي -ﷺ- بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعًا: "قوموا إلى جابر". فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله وقلت: جاءنا بخلق كثير على شاة وصاع من شعير، ودخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله -ﷺ- بأهل الخندق أجمعين. فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت: نعم فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فكشف عني غمًّا شديدًا. قال: فدخل رسول الله -ﷺ- فقال: "خدمي ودعيني من اللحم". وجعل رسول الله -ﷺ- يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ مما كانا، ثم قال رسول الله -ﷺ: " كلي وأهدي". فلم نزل نأكل ونهدي بقية اليوم.
[ ٢٦٩ ]