وكان عمرو بن عبد ودّ قد استطاع أن يقتحم فرسه الخندق من ناحية ضيقة فيه، فنادى وهو مقنع بالحديد: من يبارز؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله.
[ ٢٧١ ]
فقال له النبي -ﷺ: "إنه عمرو، اجلس".
ثم نادى عمرو: ألا رجل منكم يبرز؟ أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا.
فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال له الرسول -ﷺ-: "اجلس" ولكن عمرًا تمادى في غيه، وأخذ يصيح وينشد قائلًا:
ولقد بححت من الندا ء لجمعهم: هل من مبارز؟
وقفت إذا جبن المشجع موقف القرن المناجز
إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز
فقام علي فقال: يا رسول الله: أنا لها.
فقال له -ﷺ-: "إنه عمرو".
قال: وإن كان عمرًا!
فأذن له رسول الله -ﷺ- فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة والصدق ينجي كل فائز
ني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضرب نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز١.
_________________
(١) ١ "الروض الأنف" للسهيلي ٢/ ١٩١، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق، وعنه أسند القصة البيهقي في "الدلائل" ٣/ ٤٣٨، ونقل ابن كثير في "البداية" ٤/ ١٠٦ عن البيهقي.
[ ٢٧٢ ]
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟
قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال: يابن أخي مِن أبناء أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أريق دمك.
فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أريق دمك.
فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه.
فاندفع علي نحوه في شجاعة وإيمان، وضربه على حبل عاتقه فسقط يتخبط في دمائه، وذهب صريع بغيه وعدوانه.
وسمع الرسول -ﷺ- التكبير، فعرف أن عليًّا قد قتله، ثم أقبل علي نحو رسول الله ووجهه يتهلل.
فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟
فقال: استحييت أن أسلبه درعه وسوءته مكشوفة.
وفي هذا الموقف الرائع يتغنى علي بن أبي طالب بنصر الله له، على هذا العدو الماكر.
ويتحدث بنعمة الله عليه، فيقول:
عبد الحجارة من سفاهة رأيه وعبدت رب محمد بصواب١
_________________
(١) ١ وقبل هذا البيت أبيات.
[ ٢٧٣ ]
فصدرت حين تركته متجندلًا كالجذع بن دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المجندل بزَّني أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب
وكان في جيش المسلمين جماعة من المنافقين لا يعلمهم الرسول -ﷺ- وقد وقف هؤلاء المنافقون -كعادتهم من المسلمين- موقف اللؤم والخيانة، ولا ريب أن عمر النفاق قصير، وأساليبه وحيله لا تخفى على العقلاء أمدًا طويلًا، ومهما بالغ المنافقون في ستر حقيقتهم فإنهم لدى الاختبار يخفقون في الميدان، ولا يثبتون أمام الشدائد.
وها هم أولاء في تلكم الغزوة يفزعون حينما يرون الأحزاب، وقد جمعوا جموعهم وتهيئوا للحرب والقتال، وتظلم نفوسهم، فيسخرون من وعود الرسول -ﷺ- لهم بالنصر على أعدائهم، ويقولون: كان محمد يعدنا كنز كسرى وقيصر، فما بالنا لا يأمن أحدنا على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقد سجل الله ذلك القول منهم في تلكم الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ ١.
ثم يتمادى المنافقون في غدرهم وخيانتهم فينسحبون من صفوف المؤمنين ويثبطون الهمم والعزائم ويقولون: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ٢.
ويعتذرون عن رجوعهم بالأعذار الكاذبة التي أظهر الله حقيقتها بقوله:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية ١٢. ٢ سورة الأحزاب، الآية ١٣.
[ ٢٧٤ ]
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ ١.
ولكن هل تحقق لهؤلاء المنافقين ما كانوا يريدون؟ إنهم أرادوا أن يخفوا حقيقتهم عن الرسول -ﷺ- فكشف الله سترهم، وفضح أمرهم، وأرادوا أن يضعفوا شوكة المسلمين بانسحابهم، فأمد الله المسلمين بقوته، وكانوا يطمعون في الغنائم فأفاءها الله على المؤمنين، وباء المنافقون بالخسران والحرمان.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية ١٤
[ ٢٧٥ ]