أصبح الرسول -ﷺ- والمسلمون بعد بيعة العقبة الثانية يشعرون بأن قوة جديدة تقف إلى جانبهم، وأن أرضًا طيبة تتهيأ لاستقبالهم، وأخذ الأوس والخزرج -بعد رجوعهم إلى يثرب- يبشرون بالدعوة الإسلامية بين أهليهم وذويهم، فتقع من نفوسهم موقع الرضا والقبول، ويمدون أيديهم لتأكيد البيعة التي التزم بها إخوانهم الذين سبقوهم إلى لقاء محمد -ﷺ.
وهكذا أشرقت يثرب بنور الحق وانتشرت فيها مبادئ الإسلام وأصبحت مكانًا مناسبًا يأمن فيه المسلمون على أنفسهم من أذى المعتدين وطغيان الظالمين.
أما مكة فقد اشتد فيها الأذى بالمسلمين والتضييق عليهم، حتى أصبح عيشهم فيها جحيمًا لا يطاق. ومن أجل ذلك أمر الرسول -ﷺ- أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسللون ويخرجون من مكة في ظلام الكتمان والخفاء، يحذرون قريشًا ويخشون خطرها ويرجون ألا تحول بينهم وبين الانتقال من هذا
[ ١٧٠ ]
الوسط الخبيث، وتلك البيئة الفاسدة، إلى جوٍّ المدينة الطاهر الجميل.
وأول من خرج، أبو سلمة المخزومي زوج أم سلمة رضي الله عنهما١، ثم تتابع المهاجرون بعد أبي سلمة، فرارًا بدينهم ليتمكنوا من عبادة الله الذي امتزج حبه بنفوسهم. ولم يبق منهم إلا أبو بكر وعلي، وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكنهم أحوالهم من الهجرة.
وقد كان بقاء أبي بكر وعلي بأمر من رسول الله -ﷺ- ذلك أن أبا بكر أراد الهجرة. فقال له الرسول -ﷺ-: "علي رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي".
فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك يا رسول الله، بأبي أنت؟ قال: "نعم".
فحبس أبو بكر نفسه، انتظارًا لرسول الله -ﷺ- ليكون في شرف صحبته، وجهز راحلتين عنده استعدادًا لذلك اليوم الموعود٢.
ولا شك أن هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة كانت مبعث سعادة نفسية كبرى لهم، لأنهم تنفسوا الصعداء، وشعروا بالحرية التي لم يكونوا يألفونها، وأخذوا يعبدون الله وينشرون دينه في جوٍّ بعيد عن الضغط والإرهاب والظلم والعدوان.
كما كانت ضربة قاضية على المشركين في مكة، إذا خاب أملهم وأفلت
_________________
(١) ١ أسند ذلك ابن إسحاق عن أم سلمة كما في "سيرة ابن هشام" ٢/ ١١٢ وغيره. وأما ما أسنده ابن سعد وغيره عن البراء: "أول من قدم علينا مصعب بن عمير" فذلك كان قبل العقبة الثانية، ومراد ابن إسحاق فيما أسنده بعد العقبة الثانية. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كما في "فتح الباري" ٤/ ٤٧٥، وغيره. وانظر سياق روايات الهجرة في: "ترتيب طبقات ابن سعد" ١/ ٢٤٧ وما بعدها، "سيرة ابن هشام" ٢/ ١١٢ وما بعدها، "المواهب اللدنية" ١/ ٢٨٤ وما بعدها، "الدلائل" للبيهقي ٢/ ٤٥٨ وما بعدها، "البداية" ٣/ ١٦٨ وما بعدها، وغير ذلك كثير.
[ ١٧١ ]
المسلمون من قبضتهم، وأصبحوا يتوقعون منهم خطرًا كبيرًا لا ريب فيه.
[ ١٧٢ ]