فَكَانَتْ سُقْيَا مِنَ اللَّهِ، وخُلَاصَةُ أمْرِهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنِّي لَنَائِمٌ في الحِجْرِ إذْ أتَانِي آتٍ (٢) فقَالَ لِي: احْفِرْ طَيْبَةَ (٣) قَالَ: قُلْتُ: ومَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجِعِي، فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي، فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ (٤)
_________________
(١) زَمْزَمُ: هي البِئْرُ المعرُوفَةُ في مكَّةَ المُكَرَّمة. انظر النهاية (٢/ ٢٨٢). وجاء في فضلِ مائِهَا أحاديثُ كثِيرةٌ منها: روى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٤٧٣) عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّها مُبَارَكَةٌ، إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ". قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٦): أي أنَّها تُشْبعُ شَارِبَهَا كمَا يُشْبِعُهُ الطَّعَامُ.
(٢) أي في المَنَامِ.
(٣) قال السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٥٨): لأنها للطيِّبِيَن والطيِّباتِ مِنْ ولَدِ إبرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ ﵉.
(٤) قال السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٥٨): وهو اسمٌ صَادِقٌ عليها أيضًا لأنَّهَا فاضَتْ للأبرارِ، وغاضَتْ عَنِ الفُجَّارِ.
[ ١ / ٥٢ ]
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجِعِي، فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرِ المَضْنُونَةَ (١) قَالَ: قُلْتُ: ومَا المَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجِعِي، فَنِمْتُ فِيهِ، فجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ (٢) قَالَ: قُلْتُ: ومَا زَمْزَمُ؟ قال: لَا تُنْزَفُ (٣) أبَدًا، ولَا تُذَمُّ (٤) تَسْقِي الحَجِيجَ الأعْظَمَ، وهِيَ بَيْنَ الفَرْثِ (٥) والدَّمِ، عِنْدَ نَقْرَةِ الغُرَابِ الأَعْصَمِ (٦) عِنْدِ قَرْيَةِ النَّمْلِ (٧).
قَالَ: فَلَمَّا بُيِّنَ لَهُ شَأْنَهَا، وَدُلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وعَرَفَ أنَّهُ قَدْ صَدَقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ، ومَعَهُ ابْنُهُ الحَارِثُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ولَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ، فَحَفَرَ فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ المُطَّلِبِ الطَّيَّ، كَبَّرَ فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أنَّهُ قَدْ أدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا
_________________
(١) قال السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩): لأنها ضُنَّ بها على غَيْرِ المُؤْمِنين، فلا يَتَضَلَّعُ منها مُنَافِقٌ، والتَّضَلُّعُ يعنِي مَنْ أكْثَرَ مِنَ الشُّربِ حتى تَمَدَّدَ جَنْبُهُ وأضْلَاعُهُ، فقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن آيةَ ما بيننا وبين المنافقينَ، أنهم لا يتضلَّعونَ من زمزم" رواه ابن ماجه في سننه - رقم الحديث (٣٠٦١) وإسناده ضعيف.
(٢) زمزَم: سُميت بذلك لكَثْرَةِ مائِهَا. انظر النهاية (٢/ ٢٨٢).
(٣) لا تُنْزَفُ: بضم التاء وفتح الزاي: أي لا يَفْنَى ماؤُهَا على كثرةِ الاسْتِقَاءِ. النهاية (٥/ ٣٦).
(٤) لا تُذَمُّ: أي لا تُعَابُ. انظر النهاية (٢/ ١٥٦).
(٥) الفَرْثُ: الكَرْشُ وما فِيهَا. لسان العرب (١٠/ ٢٠٨).
(٦) الغُرَابُ الأعْصَمُ: الذي في جنَاحَيْهِ بَيَاضٌ. انظر النهاية (٣/ ٢٢٦).
(٧) قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٦١): أما قرية النَّمْلِ، ففيها مِنَ المُشاكَلَةِ أيضًا والمُنَاسَبَةِ: أَنَّ زمزمَ هيَ عَيْنُ مكَّةَ التي يَرِدُهَا الحَجيجُ، والعُمَّارُ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، فيَحْمِلُونَ إليها البُرَّ والشَّعِيرَ، وغير ذلك وهي لا تُحْرَثُ ولا تُزْرعُ، وقريةُ النَّملِ لا تُحْرَثُ ولا تُبْذَرُ وتَجْلِبُ الحُبُوبَ إلى قَرْيَتِهَا مِنْ كُلِّ جانِبٍ.
[ ١ / ٥٣ ]
إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المُطَّلِبِ إنَّهَا بِئْرُ أبِينَا إسْمَاعِيلَ، وإنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا، فَقَالَ: مَا أنَا بِفَاعِلٍ، إِن هَذَا الأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فأنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ "هُذَيْمٌ" قَالَ: نَعَمْ، وكَانَتْ فِي مَنْطِقَةِ مَعَانٍ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، فَخَرَجَوُا إلَيْهَا، وخَرَجَ مَعَ عَبْدِ المُطَّلِبِ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وخَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِعِشْرِينَ رَجلٍ مِنْ قَبَائِلِهَا فَلَمَّا كَانُوا بِالفَقِيرِ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ أَوْ حَذْوِهِ فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حتَّى أيْقَنُوا بالهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إنَّا بِمَفَازَةٍ، ونَحْنُ نَخْشَى عَلَى أنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أصَابَكُمْ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ المُطَّلِبِ مَا صَنَعَ القَوْمُ، ومَا يَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِهِ وأصْحَابِهِ، قَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إلَّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَإِنِّي أرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمُ الآنَ مِنْ الْقُوَّةِ، فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ وَارُوهُ، حتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، فَحَفَرُوا القُبُورَ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ المَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ إلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الأرْضِ ولَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا، لَعَجْزٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ البِلَادِ، ارْتَحِلُوا، وَقَامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ، انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّر عَبْدُ المُطَّلِبِ، وَكَبَّرَ
[ ١ / ٥٤ ]
أصْحَابُهُ، وشَرِبُوا جَمِيعًا، واسْتَقَوْا ثُمَّ دَعَا القَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالَ لَهُمْ: هَلُمُّوا إِلَى المَاءِ، فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ، فَشَرِبُوا واسْتَقَوْا، وعَرَفُوا فَضْلَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ وَاللَّهِ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا المَاءَ بِهَذِهِ الفَلَاةِ لَهُوَ الذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا، فَرَجَعَ ورَجَعُوا مَعَهُ، ولَمْ يَصِلُوا إِلَى الكَاهِنَةِ، وخَلُّوا بَيْنَهُ وبَيْنَ زَمْزَمَ (١).
وحِينَئِذٍ نَذَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لَئِنْ آتَاهُ اللَّهُ عَشَرَةَ أبْنَاءٍ وبَلَغُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ، لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهُمْ عِنْدَ الكَعْبَةِ.