أمَّا الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فَقَدْ أَنْكَرَ الحَدِيثَ، فَقَال: وهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، وأَيْنَ كَانَ أَبُو بَكرٍ؟ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ أصْغَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ، وأَيْنَ كَانَ بِلَالٌ فِي هَذَا الوَقْتِ؟ فإنَّ أبَا بَكْرٍ لَم يَشْتَرِهِ إِلَّا بَعْدَ المَبْعَثِ، ولَمْ يَكُنْ وُلِدَ بَعْدُ، وأيْضًا، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَمِيلَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ؟
لِأَنَّ ظِلَّ الغَمَامَةِ يَعْدِمُ فَيْءَ الشَّجَرَةِ التِي نَزَلَ تَحْتَهَا، "ولَمْ نَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- ذَكَّر أبَا طَالبٍ قَطُّ بِقَوْلِ الراهِبِ، ولَا تَذَاكَرَتْهُ قُرَيْشٌ، ولا حَكَتْهُ أُولَئِكَ الأَشْيَاخُ، مَعَ تَوَفُّرِ هِمَمِهِمْ ودَوَاعِيهِمْ عَلَى حِكَايَةِ مِثلِ ذَلِكَ، فَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَهَرَ
_________________
(١) انظر شرح المواهب (١/ ٣٧٦).
(٢) انظر زاد المعاد (١/ ٧٥).
[ ١ / ١١١ ]
بَيْنَهُمْ أَيَّمَا اشْتِهَارٍ، ولَبَقِيَ عِنْدَهُ -ﷺ- حِسُّ النُّبُوَّةِ، ولَمَا أَنْكَرَ مَجِيءَ الوَحْيِ إِلَيْهِ أَوَّلًا بِغَارِ حِرَاءٍ، وأتَى خَدِيجَةَ ﵂ خَائِفًا عَلَى عَقْلِهِ. . . وأَيْضًا فَلَوْ أَثَّر هَذَا الخَوْفُ فِي أَبِي طَالِبٍ وَرَدَّهُ، كَيْفَ كَانَتْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ
السَّفَرِ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا لِخَدِيجَةَ؟
وفِي الحَدِيثِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ، تُشْبِهُ ألْفَاظَ الطُرُقِيَّةِ (١)، مَعَ أَنَّ ابْنَ عَائِذٍ قَدْ رَوَى مَعْنَاهُ فِي مَغَازِيهِ دُونَ قَوْلهِ: وبَعَثَ مَعَهُ أبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا (٢).
قُلْتُ: وَقَعَ عِنْدَ ابنِ إِسْحَاقَ (٣) بِنَحْوِ سِيَاقِ التِّرْمِذِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ ﵄، ولَكِنَّهَا بِدُونِ سَنَدٍ، فَيُسْتَأْنَسُ بِرِوَايَتِهِ لِإِمَامَتِهِ في المَغَازِي.
ورَحِمَ اللَّهُ أَحْمَد شَوْقِي حَيْثُ قَالَ:
لَمَّا رَآهُ بَحِيرَا قَالَ نَعْرِفُهُ بِمَا حَفِظْنَا مِنَ الْأَسْمَاءَ وَالسِّيَمِ (٤)