ثُمَّ الْتَمَسَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَرَاضِعَ عَلَى عَادَةِ أهْلِ مَكَّةَ الذِينَ كَانُوا يُؤْثِرُونَ إِذَا وُلِدَ لَهُمْ وَلَدٌ أَنْ يَلْتَمِسُوا لَهُ مُرْضِعَةً مِنَ البَادِيَةِ، وسَبَبُ الْتِمَاسِ المَرَاضِعِ لِأَوْلَادِهِمْ أُمُورٌ، ذكَرَهَا الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ فَمِنْهَا:
١ - لِيَنْشَأَ الطِّفْلُ في الأَعْرَابِ، فَيَكُونَ أفْصَحَ لِلِسَانِهِ.
٢ - لِيَكُونَ أجْلَدَ (١) لِجِسْمِهِ، وأجْدَرَ أَنْ لا يُفَارِقَ الهَيْئَةَ المَعَدِّيَةَ، كمَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- اخْشَوْشِنُوا، وَاخْشَوْشِبُوا (٢)، واخْلَوْلِقُوا، وتَمَعْدَدُوا (٣) كَأَنَّكُمْ مَعَدّ (٤)، وإيَّاكُمْ والتَّنَعُّمَ (٥).
٣ - حتَّى يَكُونَ أنْجَبَ لِلْوَلَدِ وأصْفَى لِلذِّهْنِ (٦).
قَالَ الشَّيْخُ محمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وتَنْشِئَةُ الأوْلَادِ في البَادِيَةِ
_________________
(١) = ومسلم في صحيحه - كتاب الرضاعة - باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة - رقم الحديث (١٤٤٧) (١٢) (١٣).
(٢) الجَلَدُ: بفتح الجيم: القُوَّة. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٣) اخشَوْشَبَ الرجل: إذا كان صُلبًا خَشِنًا في دينه، ومَلْبسه، ومَطْعمه، وجَميع أحواله. انظر النهاية (٢/ ٣١).
(٤) يُقال: تَمَعْدَدَ الغُلام: إذا شَبَّ وغَلُظ. انظر النهاية (٤/ ٢٩١).
(٥) مَعدّ: بفتح الميم وتشديد الدال: هي قبيلة معروفة، وكان أهلها أهل غِلَظ، وقَشَف. انظر النهاية (٤/ ٢٩١).
(٦) أخرج قول عمر -﵁-: الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥/ ٣٣٩) - وإسناده صحيح.
(٧) انظر الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٨٦ ]
لِيَمْرَحُوا في كَنَفِ الطَّبِيعَةِ، ويَسْتَمْتِعُوا بِجَوِّهَا الطَّلْقِ وشُعَاعِهَا المُرْسَلِ، أدْنَى إِلَى تَزْكِيَةِ الفِطْرَةِ، وإنْمَاءِ الأَعْضَاءِ والمَشَاعِرِ، وإطْلَاقِ الأَفْكَارِ والعَوَاطِفِ، . . . وكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّرْبِيَةِ يَوَدُّ لَوْ تَكُونُ الطَّبِيعَةُ هِيَ المَعْهَدُ الأَوَّلُ لِلطِّفْلِ حتَّى تَتَّسِقَ مَدَارِكُهُ مَعَ حَقَائِقِ الكَوْنِ الذِي وُجِدَ فِيهِ (١).
قَالَ أحْمَد شَوْقِي ﵀:
يا أفْصَحَ النَّاطِقِينَ الضَّادَ قَاطِبَةً حَدِيثُكَ الشَّهْدُ عِنْدَ الذَّائِقِ الفَهِمِ
حُلِّيتَ مِنْ عُطْلٍ جِيدَ البَيَانُ بِهِ فِي كُلِّ مُنْتَثِرٍ في حُسْنِ مُنْتَظِمِ
بِكُلِّ قَوْلٍ كَرِيمٍ أَنْتَ قَائِلُهُ تُحْيِي القُلُوبَ وتُحْيِي مَيِّتَ الهِمَمِ