ولَمْ يَكُنْ الزِّنَى نَادِرًا، وَكَانَ غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ، فَكَانَ مِنَ العَادَاتِ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ خَلِيلَاتٍ، وتَتَّخِذَ النِّسَاءُ أخِلَّاءَ بِدُونِ عَقْدٍ، وقَدْ كَانُوا يُكْرِهُونَ بَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى الزِّنَى، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ (٢) مِنْكُمْ طَوْلًا (٣) أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ (٤) الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ (٥) وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٦).
ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٣/ ١٠٤).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦٠): أي ومنْ لَمْ يَجِدْ.
(٣) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦٠): أي سَعَةً وقُدْرةً.
(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦١): أي الحَرَائِر.
(٥) قال القرطبي في تفسيره (٦/ ٢٣٦): أي غير زَوَانٍ، أي مُعْلِنَاتٍ بالزِّنى؛ لأنَّ أهل الجاهلية كان فيهم الزَّوَاني في العَلَانيَةِ، ولهُنَّ رايات مَنْصُوباتٌ.
(٦) قال القرطبي في تفسيره (٦/ ٢٣٦): أي أصدقاءُ على الفاحشةِ، والآية الكريمة في سورة النساء رقم (٢٥).
[ ١ / ٣١ ]
النِّكَاحَ في الجَاهِلِيَّةِ كانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أنْحَاءَ. . . والنِّكَاحُ الرَّابع: يَجْتَمعُ النَّاسُ الكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ لا تَمْنَعُ مَنْ جَاءَهَا، وهُنَّ البَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا (١)، فمَنْ أرَادَهُّنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ (٢).
وقالَ ﷾: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣).
ورَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ في المُوَطَّأِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁- أنَّهُ قالَ: لَا تُكَلِّفُوا الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الكَسْبَ، فَإنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا (٤).
وقَدْ نَهَى رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كَسْبِ البَغِيِّ، فقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَده بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أنَّهُ قَالَ: نَهَى رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ، وكَسْبِ البَغِيِّ، وثَمَنِ الكَلْبِ (٥).
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قالَ: أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةٌ، وأخُرْى يُقَالُ لَهَا:
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٣٢): عَلَمًا بفتح اللام أي عَلامَةً.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب النكاح- باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ - رقم الحديث (٥١٢٧).
(٣) سورة النور آية (٣٣).
(٤) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ -كتاب الاستئذان- باب الأمر بالرِّفق بالمَمْلوك - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (١٠/ ٥٨٩).
(٥) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٩٧٦).
[ ١ / ٣٢ ]
أُمَيْمَةٌ، فكانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
وَكَانَتِ المَرْأَةُ في المُجتَمَعِ الجَاهِلِيِّ عُرْضَةَ غَبْنٍ (٢) وحَيْفٍ (٣)، تُؤْكَلُ حُقُوقُهَا، وتُبْتَزُّ (٤) أَمْوَالُهَا، وتُحْرَمُ إرْثَهَا، وتُعْضَلُ (٥) بَعْدَ الطَّلَاقِ، أَوْ وَفَاةِ الزَّوْجِ مِنْ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا تَرْضَاهُ، وتُورَثُ كَمَا يُورَثُ المَتَاعُ أَوِ الدَّابَّةُ.