وكَانَ أهْلُ الحِجَازِ: العَرَبُ واليَهُودُ، يَتَعَاطَوْنَ الرِّبَا، وكانَ فَاشِيًا (٣) فِيهِمْ، وكانُوا يُجْحِفُونَ (٤) فيهِ، ويَبْلُغُونَ إلَى حَدِّ الغُلُوِّ والقَسْوَةِ.
قالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كانَ الرِّبَا في الجَاهِلِيَّةِ في التَّضْعِيفِ وفي السِّنِينَ، يكُونُ لِلرَّجُلِ فَضْلُ دَيْنٍ، فَيَأْتِيهِ إِذَا حَلَّ الأَجَلُ، فَيَقُولُ له: تَقْضِيني أوْ تَزِيدُنِي؟ فإنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَقْضِيهِ قَضَى، وإلَّا حَوَّلهُ إلَى السِّنِّ التِي فَوْقَ ذَلِكَ، إنْ كَانَتْ ابْنَةَ مَخَاضٍ (٥) يَجْعَلُهَا. . . .
_________________
(١) الحريب: الذي سُلِبَ ماله. انظر لسان العرب (٣/ ١٠١).
(٢) انظر تفسير الإِمام الطبري (٥/ ٣٦) - آية (٩١) من سورة المائدة.
(٣) فَشَا: أي انتشَرَ. انظر النهاية (٣/ ٤٠٣).
(٤) المُجَاحَفَةُ: أخْذُ الشّيء واجْتِرَافُهُ. انظر لسان العرب (٢/ ١٨٦).
(٥) المَخَاضُ: اسمٌ للنُّوقِ الحَوَامِلِ، وبِنْتُ المَخَاضِ وابنُ المَخَاضِ: ما دخلَ في السُّنةِ =
[ ١ / ٢٩ ]
ابْنَةَ لَبُونٍ (١) في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ حِقَّةً (٢)، ثُمَّ جَذْعَةً (٣)، ثُمَّ رُبَاعِيًّا (٤) هَكَذا إلَى فَوْقٍ.
وفي العَيْنِ (٥) يَأْتيهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أضْعَفَهُ في العَامِ القَابِلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أضْعَفَهُ أَيْضًا، فتَكُونُ مِئَةً، فَيَجْعَلُهَا إلَى القَابِلِ مِئتَيْنِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَعَلَهَا أرْبَعَمِئَةٍ يُضْعِفُهَا له كُلَّ سَنَةٍ أوْ يَقْضِيهِ (٦).
وقَدْ رَسَخَ الرِّبَا فِيهِمْ، وجَرَى مِنْهُمْ مَجْرَى الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ التِي صَارُوا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التِّجَارةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وقَالُوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾.
قالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ كانُوا يَأْكُلُونَ الرِّبَا مِنْ أهْلِ
_________________
(١) = الثَّانيةِ؛ لأنَّ أُمَّهُ قد لَحِقَتْ بالمَخَاضِ: أي الحَوَامِلِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا. انظر النهاية (٤/ ٢٦١).
(٢) بنتُ لَبُونٍ، وابنُ لَبُونٍ: وهُمَا مِنَ الإبلِ ما أَتَى عليهِ سَنَتَانِ ودخَلَ في الثَّالِثَةِ، فصَارَتْ أمُّهُ لَبُونًا، أي ذَاتَ لَبَنٍ؛ لأنَّهَا تكُونُ قدْ حَمَلَتْ حَمْلًا آخَرَ ووضَعَتْهُ. انظر النهاية (٤/ ١٩٨).
(٣) الحِقَّةُ: بكسر الحاء وهو منَ الإبِلِ ما دخلَ في السنة الرابعة إلى آخرها، وسُمّى بذلك لأنه استَحَقَّ الرُّكُوبَ والتَّحْمِيلَ، ويُجمعُ على حِقاقٍ وحَقَائِقَ. انظر النهاية (١/ ٣٩٩).
(٤) الجَذْعَةُ: هو ما كان منها شَابًّا فَتِيًّا، فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمَعْز ما دخل في السنة الثانية، وقيل البقر في الثالثة، ومن الضَّأْنِ ما تمَّتْ له سنة، وقيل أقل منها. انظر النهاية (١/ ٢٤٣).
(٥) يُقالُ للذَّكر من الإبل إذا طلَعَتْ رَبَاعِيتهُ -أي أسنانه الأمامية- رَبَاعٌ، والأنثى رَبَاعِيَةٌ بالتخفيف، وذلك إذا دخَلَا في السَّنَةِ السابعة. انظر النهاية (٢/ ١٧٣).
(٦) العَيْنُ: هوَ الذَّهَبُ. انظر لسان العرب (٩/ ٥٠٧).
(٧) انظر تفسير الطبري (٣/ ١٠٤).
[ ١ / ٣٠ ]
الجَاهِلِيَّةِ، كانَ إذا حَلَّ مَالُ أحَدِهِمْ عَلَى غَرِيمِهِ، يَقُولُ الغَرِيمُ لِغَرِيمِ الحَقِّ: زِدْنِي في الأَجَلِ وأزِيدُكَ في مَالِكَ، كَانَ يُقَالُ لَهُمَا إذا فَعَلَا ذَلِكَ: هذَا رِبًا لا يَحِلُّ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ، قالُوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا زِدْنَا في أوَّلِ البَيْعِ، أوْ عِنْدَ مَحَلِّ المَالِ (١).