وهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قِطْعَةِ لَحْمٍ نَاتِئَةٍ، عَلَيْهَا شَعْرٌ عِنْدَ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ -ﷺ-، حَجْمُهَا قَدْرُ بَيْضَةِ الحَمَامَةِ (٢).
وهَذَا الخَاتَمُ الذِي يُعْرَفُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، هُوَ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِهِ -ﷺ- النَّبَوِيَّةِ في الكُتُبِ السَّابِقَةِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قِصَّةُ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَقِصَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ -﵁-، كَمَا سَيَأْتِي.
وهَذَا الخَاتَمُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ وُلِدَ -ﷺ-، وَإِنَّمَا تَكَوَّنَ بَعْدَ الوِلَادَةِ، وأنَّهُ عَلَى الأَصَحِّ كَانَ بَعْدَ حَادِثَةِ شَقِّ الصَّدْرِ، وهُوَ صَغِيرٌ -ﷺ- (٣).
قَالَ العُلَمَاءُ: والسِّرُّ في وَضْعِ الخَاتَمِ عِنْدَ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ -ﷺ- أَنَّ القَلْبَ فِي تِلْكَ الجِهَةِ؛ ولِأَنَّهُ -ﷺ- مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وذَلِكَ المَوْضِعُ يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ (٤).
_________________
(١) انظر فقه السيرة ص ٦٣ للشيخ محمد الغزالي ﵀.
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٤).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٥).
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٦) - الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٩٤) - صحيح مسلم بشرح النووي (٨/ ٨٠).
[ ١ / ٩٩ ]
رَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيِحِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ العَوَقِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ -﵁- عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَعْنِي خَاتَمَ النُّبُوَّةِ- فَقَالَ: كَانَ فِي ظَهْرِهِ بِضْعَةٌ نَاشِزَةٌ (١).
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ -﵁- قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، ودَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ (٢).
ورَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ خَاتَمًا فِي ظَهْرِ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامٍ (٣).
وأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَرْجَسٍ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا. أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا، . . . قَالَ: ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ،
_________________
(١) بِضْعَةٌ ناشِزَةٌ: أي قِطْعَةُ لَحْمٍ مُرْتَفِعَةٌ عنِ الجِسْمِ. انظر النهاية (٥/ ٤٨). والحديث أخرجه الترمذي في: الشمائل - رقم الحديث (٢٢) - وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٢٠٩٣).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ٨٠): الحَجَلَةُ: واحدة الحِجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعُرى هذا هو الصواب المشهور الذي قاله الجمهور. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب خاتم النبوة - رقم الحديث (٣٥٤١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة وصفته - رقم الحديث (٢٣٤٥).
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة وصفته - رقم الحديث (٢٣٤٥).
[ ١ / ١٠٠ ]
فنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، عِنْدَ نَاغِضِ (١) كَتِفِهِ اليُسْرَى، جُمْعًا (٢) عَلَيْهِ خِيَلَانُ (٣) كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ (٤).
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اقْتَرِبْ مِنِّي"، فَاقْتَرَبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: "أَدْخِلْ يَدَكَ، فَامْسَحْ ظَهْرِي".
قَالَ: فَأَدْخَلْتُ يَدِيَ فِي قَمِيصِهِ، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ، فَوَقَعَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ إِصْبَعِي، قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ؟
فَقَالَ: شَعَرَاتٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
وفِي رِوَايَةِ الحَاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ: قَالَ -﵁-: شَعَرٌ مُجْتَمِعُ عِنْدَ كَتِفَيْهِ (٥).