وَأَمَّا خِتَانُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ جَدَّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَتَنَهُ يَوْمَ سَابِعِهِ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي الاسْتِيعَابِ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَوْمَ سَابِعِهِ، وجَعَلَ لَهُ مَأْدُبَةً (٢).
وَمَالَ كَمَالُ الدِّينِ بنُ الْعَدِيمِ (٣)، وابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٤) إِلَى هَذَا، مِنْ أَنَّهُ -ﷺ- خُتِنَ يَوْمَ سَابِعِهِ عَلَى يَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا الأحَادِيثُ التِي تَذْكُرُ أَنَّ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وُلِدَ مَخْتُونًا، فكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، فَمِنْهَا:
ما رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥٣٠): الخِتَان بكسر الخاء وفتح التاء مصدر خَتَنَ: أي قَطَعَ، والخَتْنُ: بفتح الخاء قَطْعُ بعضٍ مَخْصُوص مِنْ عُضْوٍ مَخْصُوص. وقال الماوردي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١١/ ٥٣٠): خِتَانُ الذَّكر قطعُ الجِلْدَة التي تُغَطِّي الحَشَفة.
(٢) انظر الاستيعاب (١/ ١٥١).
(٣) انظر زاد المعاد (١/ ٨١).
(٤) انظر الاستيعاب (١/ ١٥١).
[ ١ / ٧٨ ]
قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مِنْ كَرَامَتِي عَلَى رَبِّي أَنِّي وُلِدْتُ مَخْتُونًا ولَمْ يَرَ أَحَدٌ سَوْأَتِي" (١).
ورَوَى ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عنِ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَخْتُونًا مَسْرُورًا (٢)، قَالَ: فَأَعْجَبَ ذَلِكَ عَبْدَ المُطَّلِبِ وحَظِيَ عِنْدَهُ، وَقَالَ: لَيَكُونَنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ (٣).
قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ولَيْسَ إسْنَادُ حَدِيثِ العَبَّاسِ هَذَا بِالقَائِمِ (٤).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ حَدِيثِ العَبَّاسِ: وهَذَا الحَدِيثُ في صِحَّتِهِ نَظَرٌ. . .، وقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ صِحَّتَهُ، لِمَا وَرَدَ لَهُ مِنَ الطُّرُقِ حتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وفي هَذَا كُلِّهِ نَظَرٌ (٥).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: ويُقَالُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وُلِدَ مَخْتُونًا مَسْرُورًا، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، ذَكَرَهُ أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزِيِّ في "المَوْضُوعَاتِ"
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ١٥٤) - والحلية - رقم الحديث (٣٠٢٦) وانظر ضعيف الجامع للألباني ﵀ - رقم الحديث (٥٣١٠) - والسلسلة الضعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٦٢٧٠).
(٢) أي مَقْطُوعُ الحَبْلِ السِّرِّي.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٤٨) - وانظر السلسلة الضعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٦٢٧٠).
(٤) انظر الاستيعاب (١/ ١٥١).
(٥) انظر البداية والنهاية (١/ ٦٦٨).
[ ١ / ٧٩ ]
ولَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ، ولَيْسَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ -ﷺ-، فإنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُولَدُ مَخْتُونًا (١). . . وقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، صَنَّفَ أَحَدُهُمَا مُصَنَّفًا في أَنَّهُ -ﷺ- وُلِد مَخْتُونًا، وأَجْلَبَ فِيهِ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي لَا خِطَامَ لَهَا وَلا زِمَامَ، وهُوَ كَمَالُ الدِّينِ بنُ طَلْحَةَ، فَنَقَضَهُ عَلَيْهِ كَمَالُ الدِّينِ بنُ العَدِيمِ، وبَيَّنَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خُتِنَ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ، وكَانَ عُمُومُ هَذِهِ السُّنَّةِ لِلْعَرَبِ قَاطِبَةً مُغْنِيًا عَنْ نَقْلٍ مُعَيَّنٍ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
وَأَمَّا مَا قَالَهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: وقَدْ تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وُلِدَ مَخْتُونًا، مَسْرُورًا (٣)، فَقَدْ تَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ في تَلْخِيصِهِ بِقَوْلِهِ: لا أعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُتَوَاتِرًا.