ومَعَ جُهْدِ قُرَيْشٍ في بِنَاءَ الكَعْبَةِ، فَقَدْ ضَاقَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ الطَّيِّبَةُ عَنْ إتْمَامِ البَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﵇، فَاضْطُرُّوا إِلَى أنِ يَقْتَطِعُوا مِنْهُ قِطْعَةً مِنْ جِهَتِهِ الشَّمَالِيَّةِ، وبَنَوْا عَلَى هَذَا الجُزْءَ الذِي احْتَجَزُوهُ جِدَارًا قَصِيرًا لِلْإِعْلامِ أَنَّهُ
_________________
(١) أخرج تفاصيل تحكيم رسول اللَّه -ﷺ- في وضع الحجر الأسود: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٠٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٥٩٦) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١١٥) - والحاكم في المستدرك رقم الحديث (١٧٢٦) (١٧٢٧) - وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه - رقم الحديث (٩١٠٦) - وإسناده صحيح.
(٢) دَرَأَ: دَفَعَ. انظر لسان العرب (٤/ ٣١٤).
(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١١٢.
[ ١ / ١٣٩ ]
مِنَ البَيْتِ، وهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالحِجْرِ (١).
وَكَانَ ارْتِفَاعُ الكَعْبَةِ تِسْعَةَ أذْرُعٍ عَلَى عَهْدِ إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ ﵉، وَكَانَ لهَا بَابَانِ: بابٌ شَرْقِيٌّ، وبابٌ غَرْبِيٌّ لِيَدْخُلَ النَّاسُ منْ بَابٍ ويَخْرُجُوا منَ البَابِ الآخَرِ، فلمَّا بَنَتْهَا قُرَيْشٌ زَادُوا في ارْتِفَاعِهَا تِسْعَةَ أذْرُعٍ أُخْرَى، واقْتَصَرُوا عَلَى بَابٍ وَاحِدٍ، ورَفَعُوا بابَهَا عَنِ الأَرْضِ، فَصَارَ لا يُصْعَدُ إِلَيْهَا إِلَّا عَلَى سُلَّمٍ لِيُدْخِلُوا مَنْ يَشَاؤُونَ، ويَمْنَعُوا مَنْ يَشَاؤُونَ.
رَوَى الشَّيخانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لهَا: "يا عَائِشَةُ! لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بالبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وأَلْزَقْتُهُ بالأَرْضِ، وجَعَلْتُ لهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وبَابًا غَرْبيًّا فَبَلَغْتُ بهِ أسَاسَ إبْرَاهِيمَ" (٢).
ورَوَى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْجَدْرِ (٣) أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ٧٨): وهوَ مِنَ البَيْتِ، ولذلك لا يَصِحُّ الطَّوَافُ إلا مِنْ ورائِهِ، وسُمِّيَ بذلك لأنَّهُ حُجِرَ، أي اقْتُطِعَ مِنَ الكَعْبَةِ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مكة وبنيانها - رقم الحديث (١٥٨٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب نقض الكعبة وبنائها - رقم الحديث (١٣٣٣).
(٣) الجَدْرُ: بفتح الجيم وسكون الدال، هُوَ الحِجْرُ لِمَا فيهِ من أصُولِ حائِطِ البيْتِ، وهو اسمُ الحائِطِ المُسْتَدِيرِ إلى جانبِ الكَعْبَةِ الغَرْبيّ. انظر النهاية (١/ ٢٣٩) - فتح الباري (٤/ ٢٣٥).
[ ١ / ١٤٠ ]
يُدْخِلُوهُ في البَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ"، قلتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا، ويَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا، ولَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ فأخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ في البَيْتِ، وَأنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ" (١).