ظَهَرَتْ بَعْضُ الْعَلَامَاتِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ -ﷺ- مِنْ ذَلِكَ:
* ظُهُورُ نُورٍ مِنْ أُمِّهِ -ﷺ- أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ والحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ س عَنِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ بِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ ﵇ لَمُنْجَدِلٌ (٢) في طِينَتِهِ، وسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ: دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ (٣)، وبِشَارَةُ أخِي عِيسَى (٤)، ورُؤْيَا أُمِّي التِي رَأَتْ حِينَ
_________________
(١) انظر شرح المواهب (١/ ٢٤٩).
(٢) أي مُلقى على الجدالة، وهي الأرض. انظر النهاية (١/ ٢٤٠).
(٣) قال اللَّه تَعَالَى في سورة البقرة آية (١٢٩) على لسان إبراهيم وإسماعيل ﵉ وهما يبنيان الكعبة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
(٤) قال اللَّه تَعَالَى في سورة الصف آية (٦) على لسان عيسى ﵇، وهو يُبَشِّر بنِي إسرائيل بِبِعْثَةِ الرسول -ﷺ-: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
[ ١ / ٧٣ ]
وَضَعَتْنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ" (١).
ورَوَى الحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ، عَنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُمْ قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ؟
فقَالَ -ﷺ-: "دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وبُشْرَى عِيسَى، ورَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أضَاءَتْ لَهُ بُصْرَى، وبُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ" (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وتَخْصِيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ -ﷺ- إشَارَةٌ إِلَى اسْتِقْرَارِ دِيِنِهِ وَثُبُوتِهِ بِبِلَادِ الشَّام، ولِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلًا لِلْإِسْلَامِ وأهْلِهِ، وبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ ﵇ إِذَا نَزَلَ بِدِمَشْقَ بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ البَيْضَاءِ مِنْهَا (٣)، ولِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ -ﷺ-: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ".
وفي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ، قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (١٧١٦٣) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٤٠٤) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٣٦١٩ - ٤٢٣٠).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٢٣٠) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٧٣٠)، وقال: إسناده جيد.
(٣) أخرج نزول عيسى ﵇ بدمشق عند المَنَارة البيضاء: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الفتن وأشْرَاطُ الساعة - باب ذكر الدجال - رقم الحديث (٢٩٣٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتصام - باب قول النبي -ﷺ-: "لا تزالُ طائِفَةٌ من أمَّتِي ظَاهِرِينَ على الحقِّ" - رقم الحديث (٧٣١١) - وأخرجه في كتاب التوحيد - باب =
[ ١ / ٧٤ ]
قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ (٢).
وقاَل النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مُفَرَّقَةٌ بَيْنَ أنْوَاعِ المُؤْمِنِينَ، مِنْهُمْ: شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونْ، ومِنْهُمْ فُقَهَاءُ، ومِنْهُمْ مُحَدِّثُونَ، ومِنْهُمْ زُهَّادُ، وآمِرُونَ بالمَعْرُوفِ ونَاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، ومِنْهُمْ أَهْلُ أنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الْخَيْرِ، ولا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ، بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ في أَقْطَارِ الأَرْضِ (٣).
قُلْتُ: وَالَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ.