وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجِدُ في نَفْسِهِ قَلَقًا غَامِضًا لا يَعْرِفُ مَصْدَرُهُ ولَا مَصِيرَهُ، ومَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِ لَحْظَةً، مَا اللَّهُ مُكْرِمُهُ بِهِ مِنَ الوَحْي والرِّسَالَةِ، ولا يَحْلُمُ بِذَلِكَ في يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ١٣٠، ١٣١).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبو شهبة (١/ ٢٤٠).
(٣) سورة الشورى آية (٥٢).
[ ١ / ١٥٢ ]
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ (١).
إِنَّ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَكُنْ يَسْتَشْرِفُ للنُّبُوَّةِ، ولا يَحْلُمُ بهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُلْهِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى الخَلْوَةَ لِلْعِبَادَةِ تَطْهِيرًا، وإعْدَادًا رُوحِيًّا لَتَحَمُّلِ أعْبَاءِ الرِّسَالَةِ، ولَوْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَسْتَشْرِفُ للنُّبُوَّةِ لَمَا فَزعَ مِنْ نُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ، ولَمَا نَزَلَ إلى خَدِيجَةَ يَسْتَفْسِرُهَا عَنْ سِرِّ تِلْكَ الظَّاهِرَةِ التِي رَآهَا في غَارِ حِرَاءٍ، ولَمْ يَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّهُ رسُولٌ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْي (٢).
وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وتَرْبِيَتِهِ، أَنْ نَشَأَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَكَانَ أبْعَدَ عَنْ تُهَمَةِ الأَعْدَاءِ، وَظِنَّةِ المُفْتَرِينَ، وإلى ذَلِكَ أشَارَ القُرْآنُ الكَرِيمُ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣).
وقَدْ لَقَّبَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِالأُمِّيِّ فقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٤).
* * *
_________________
(١) سورة القصص آية (٨٦).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة دروس وعبر ص ٤٨ للدكتور مصطفى السباعي.
(٣) سورة العنكبوت آية (٤٨).
(٤) سورة الأعراف آية (١٥٧).
[ ١ / ١٥٣ ]