وَرُوِيَ أنّ عبد الْمطلب ضمَّ رَسُول الله [ﷺ] إِلَيْهِ بعد وَفَاة أمّه، ورقّ عَلَيْهِ رِقّةً لم يرقَّها على وَلَدِه، وَكَانَ يقرِّبه مِنْهُ ويُدْنيه، ويَدخل عَلَيْهِ إِذا خَلاَ وَإِذا نامَ، وَكَانَ يَجلس على فرَاشه فَيَأْخذهُ أعمامُه ليؤخِّروه عَنهُ، فَيَقُول عبد الْمطلب إِذا رأى ذَلِك: دَعُوا ابْني، إِنَّه لَيؤنِسُ مُلْكًا. وَفِي رِوَايَة: دَعوا ابْني فوَاللَّه إنَّ لَهُ لَشأنًا. وَقَالَ عبد الْمطلب لأمّ أَيْمن، وَكَانَت تحضنُ رَسُول الله [ﷺ]: يَا بَرَكة لَا تغفلي عَن ابْني فإنّي وجدتُه مَعَ غلمانٍ قَرِيبا من السِّدْرة، وإنّ أهل الْكتاب يَزْعمُونَ أنّ ابْني نبيُّ هَذِه الأمّة.
وَكَانَ عبد الْمطلب لَا يَأْكُل طَعَاما إِلَّا قَالَ: عليَّ بِابْني. فيُؤتى بِهِ إِلَيْهِ. ولمّا حَضرته الْوَفَاة أوصى أَبَا طَالب بِحِفْظ رَسُول الله [ﷺ] . وحِياطته. وَمَات فدُفن بالحَجون، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة، وَقيل: خمس وَتِسْعين، وَقيل: مائةٍ وعشرٍ، وَقيل: مائةٍ وَعشْرين، وَقيل: مائةٍ وَأَرْبَعين سنة.
سُئل رَسُول الله [ﷺ] أَتذْكر موتَ عبد الْمطلب؟ قَالَ: نعم، أَنا يَوْمئِذٍ ابْن ثَمَان سِنِين. قَالَه الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي، وَجزم بِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقيل: تُوفِّي عبد المطَّلب، ولرسول الله [ﷺ] ستُ سِنِين، وَقيل: عشرٌ، وَقيل:
[ ٢٨ ]
ثلاثٌ، وَهُوَ أبعد الْأَقْوَال. ثمَّ كفله عمُّه أَبُو طَالب بعد وَفَاة عبد المطَّلب، وَكَانَ بِهِ رَفِيقًا، وَكَانَ يُحبّه حُبًَّا شَدِيدا لَا يُحبّه وَلَدَه، وَكَانَ لَا ينَام إلاّ إِلَى جَنبه، ويخرجُ فَيخرج مَعَه، وَكَانَ يَخصّه بِالطَّعَامِ، وَكَانَ إِذا أكل عِيالُ أبي طَالب فُرادى أَو جَمِيعًا لم يَشبعوا، وَإِذا أكل مَعَهم رَسُول الله [ﷺ] شبِعوا، فَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يُغدِّيهم أَو / ٥ ظ. يُعشِّيهم يَقُول: كَمَا أَنْتُم حَتَّى يَأْتِي ابْني، فَيَأْتِي رَسُول الله [ﷺ] فيأكل مَعَهم. فيَفصِلون من طعامهم، وَكَانَ الصّبيان يُصْبِحُونَ شعثًا رُمْصًَا، ويَصبح رَسُول الله [ﷺ] دَهينًا كحيلًا، وطهّره الله من دَنَس الْجَاهِلِيَّة، وَمن كل عَيبٍ، فَلم يعظّم لَهُم صَنَمًا قطُّ، وَلم يحضر مَشهدًا من مَشاهد كفرِهم، وَكَانُوا يطلبونه لذَلِك فَيمْتَنع ويعصمه الله تَعَالَى من ذَلِك. وَكَانَ يُعرَفُ فِي قومه بالأَمين، لِما شاهدوه من أَمانته وصِدْق طَهَارَته، وَصِفَاته العَليّة [ﷺ]