لمّا ولَدتْه [ﷺ] أُمُّه أرضَعته سَبْعَة أَيَّام، ثمَّ أَرضعته ثُوَيْبَةُ الأَسلمية مولاة أبي لَهَبٍ أيّامًا، وأرضعت مَعَه أَبَا سَلمة عبد الله بن عبد الأَسَد المخزوميّ بلَبن ابْنهَا مَسْرُوح، وَهِي أمُّ عمِّه حمزةَ من الرَضَاعة.
وَكَانَ رَسُول الله [ﷺ] يَصِلُها وَهِي بِمَكَّة. وَكَانَت خديجةُ تُكرمها، وَقيل: إِنَّهَا سَأَلت أَبَا لَهَبٍ فِي أنْ تبتاعها مِنْهُ لتِعتقِها فَلم يفعل، فلمّا هَاجر رَسُول الله [ﷺ] إِلَى الْمَدِينَة أَعتقها أَبُو لَهَبٍ وَقيل: أعْتقهَا أَبُو لَهَبٍ حِين بشَّرتْه بِوِلَادَة رَسُول الله [ﷺ] وَكَانَ رَسُول الله [ﷺ] يبْعَث إِلَيْهَا من الْمَدِينَة بصِلةٍ وكِسوةٍ، حَتّى جَاءَهُ خبرُها أَنَّهَا قد توفيت مَرجِعَه من خيبَر، فَقَالَ: مَا فعل ابنُها مَسْروح؟ فَقيل: مَاتَ
[ ٢٣ ]
قبلهَا. وَلم يبقَ من قرابتها أَحدٌ. واختُلف فِي إسْلَامهَا، وَرَأى أَبَا لَهَب بعضُ أهلهِ فِي النّوم / ٣ ظ. بِشَرِّ حَيْبَةٍ، فَقَالَ: مَاذَا لقيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَب: لم نَذقْ بَعدَكم رخاءً، غير أَنِّي سُقيتُ فِي هَذِه بعتاقتي ثُويبة. وَأَشَارَ إِلَى النُقرة الَّتِي بَين الإِبهام وَالَّتِي تَلِيهَا من الْأَصَابِع.
ثمَّ أَرضعته [ﷺ] أُمُّ كَبشةَ، حليمةُ بنت أبي ذُؤَيْب عبد الله بن الْحَارِث السَّعْديّة، فَروِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: لما وضعتهُ فِي حِجْري أقبل عَلَيْهِ ثَديايَ بِمَا شَاءَ من اللَّبن، فَشرب حَتَّى رُوِيَ، وَشرب مَعَه أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ، وناما، وَمَا كَانَ أَخُوهُ ينَام قبل ذَلِك، وَمَا كَانَ فِي ثَدييّ مَا يرويهِ، وَلَا فِي شارفِنا مَا يُغذِّيه، وَقَامَ زَوجي إِلَى شارفنا، فَنظر إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ حافلٌ، فحلَب مِنْهَا مَا شرب، وشربت حَتَّى انتهينا ريا وشبعًا. فبتنا بِخَير لَيْلَة، وَلما رَجعْنَا - تَعْنِي إِلَى بَلَدهَا - ركبت أَتَانِي، وحملتُه عَلَيْهَا، فوَاللَّه لَقَطعتْ بالرَّكب مَا يقدر عَلَيْهَا شيءٌ من حُمُرهم، حَتَّى إنَّ صَواحبي لَيقلْنَ لي: ويحكِ يَا بنت أبي ذُؤيب، ارْبَعي علينا، أَلَيْسَ هَذِه أتانُك الَّتِي كنتِ خرجتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُول لهنّ: بلَى وَالله، إِنَّهَا لهيَ. فيقلن: وَالله إنّ لَهَا لَشأنًا. وَكَانَت قبل ذَلِك قد أضرّ بالرّكبِ انقطاعُها عَنْهُم لِضعفها وهزالها. قَالَت حليمة فقدِمنا منازلَنا، وَمَا أعلمُ أَرضًا من أرضِ الله أَجدَبَ مِنْهَا، وَكَانَت غَنمي تروح عليّ حِين قَدِمْنا بِهِ مَعنا شِباعًا،
[ ٢٤ ]
فنحلُب ونشربُ، وَمَا يحلُب إنسانٌ قَطْرة لبنٍ، وَمَا يجدهَا فِي ضَرع، حَتَّى كَانَ الحاضرُ من قَوْمنا يَقُولُونَ لرعاتهم: ويْلَكم اسرَحوا حَيْثُ يَسرَحُ راعي بنت أبي ذُؤَيب [فتروح أغنامهم جياعًا مَا تَبِضّ بقطرة لبنٍ، وَتَروح غنمي شِباعًا لَبَنًا] .
وأرضعتْ مَعَه [ﷺ] ابنَ عمِّه أَبَا سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب بلبَن ابْنهَا / ٤ و. عبد الله أخي أُنيَسةَ، وَقيل: حُذَافة وَهِي الشَّيماء، أَوْلَاد الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى بن رِفَاعَة السَّعْدِيّ. وَقد قيل: إِنَّه أسلم، والشَّيماء هِيَ الَّتِي كَانَت تَحضُنُ رَسُول الله [ﷺ] مَعَ أُمِّها وتُوَرّكه، وَهِي الَّتِي قدِمتْ عَلَيْهِ فِي وَفد هَوازن.
وَكَانَ حَمزةُ عمُّ رَسُول الله [ﷺ] مُستَرضَعًا لَهُ فِي بَني سَعْد بن بَكْر، فأرضعت أمُّه رَسُول الله [ﷺ] يَوْمًا وَهُوَ عِنْد أُمِّه حليمة، وَكَانَ حمزةُ رضيعَ النبيِّ [ﷺ] من وَجْهَيْن، من جِهَة ثُويْبَة، وَمن جِهَة السَّعْديّة.
وَعند حليمة شُقَّ صَدره [ﷺ] . ومُلئ حكمةَ وإيمانًا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: كَانَ يشبُّ فِي الْيَوْم شبابَ الصبيِّ فِي شهرٍ، فَلَمَّا شبّ ردّته إِلَى أمِّه وَهُوَ ابْن خمس سِنِين وشهرٍ، وَقيل: أَربع سِنِين، وَقيل: سنتَيْن وشهرٍ.
وقدمت حليمةُ على رَسُول الله [ﷺ] مكةَ وَقد تزوجّ خديجةَ، فشكَتْ إِلَيْهِ
[ ٢٥ ]
جَدْبَ الْبِلَاد، فكلّم لَهَا خَدِيجَة فأعطتها أَرْبَعِينَ رَأْسا من الْغنم، وبعيرًا مُوقَّعًا للظعينة، أَي مذلَّلًا، فَانْصَرَفت إِلَى أَهلهَا.
قَالَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي ﵀: وَلَا يُعرف لَهَا صُحبة وَلَا إِسْلَام قَالَ: وَقد وَهلَ فِيهَا غير واحدٍ، فذكروها فِي الصَّحَابَة، وَلَيْسَ بِشَيْء، وحَضنَته [ﷺ] أُمُّ أَيْمَن بَرَكةُ الحَبشيّة مَعَ أمِّه، وَبعد موتِها، وَكَانَ وَرِثها من أبيهِ، وَكَانَت دايتَه. وَقَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله [ﷺ] شكا جَوعًا قطّ، وَلَا عَطَشًا، وَكَانَ يَغْدُو إِذا أصبح فيشرب من ماءِ زَمْزَم شربةً، فربّما عَرضتُ عَلَيْهِ الْغذَاء فَيَقُول: أَنا شَبعان.