يكاد يكون هذا الملمح الأساسيّ في مناهج المستشرقين قاسما مشتركا أعظم بينهم جميعا.. إنهم يمضون مع شكوكهم إلى المدى، ويطرحون افتراضات لا رصيد لها من الواقع التاريخيّ، بل إنهم ينفون العديد من الروايات، لهذا السبب أو ذاك؛ بينما نجدهم يتشبّثون- في المقابل- بكل ما هو ضعيف شاذ.. «لقد غالوا في كتاباتهم في السيرة النبويّة، وأجهدوا أنفسهم في إثارة الشكوك (في وقائعها)، وقد أثاروا الشك حتى في اسم الرسول ﷺ، ولو تمكّنوا لأثاروا الشك حتى في وجوده، ولكنهم مهما قالوا في نسبة التاريخ الصحيح في سيرة الرسول ﷺ فإن سيرته هي أوضح وأطول سيرة نعرفها بين سير جميع الرسل والأنبياء» «١» .
ويشير درمنغهم إلى هذه المسألة فيقول: «من المؤسف حقا أن غالى بعض هؤلاء المتخصّصين- من أمثال: موير ومرغوليوث ونولدكه وشبرنجر
_________________
(١) د. جواد علي: (تاريخ العرب في الإسلام): جزء ١ ص ٩- ١١.
[ ٢٤ ]
ودوزي وكيتاني ومارسين وغريم وغولد زيهر وغود فروا وغيرهم- في النقد أحيانا، فلم تزل كتبهم عامل هدم على الخصوص، ولا تزال النتائج التي انتهى إليها المستشرقون سلبية ناقصة ولن تقوم سيرة على النفي، وليس من مقاصد كتابي أن يقوم على سلسلة من المجادلات المتناقضة.. ومن دواعي الأسف أن كان الأب لامانس- الذي هو من أفضل المستشرقين المعاصرين من أشدّهم تعصّبا، وإنه شوّه كتبه الرائعة الدقيقة وأفسدها بكرهه للإسلام ونبيّ الإسلام، فعند هذا العالم اليسوعي أنّ الحديث إذا وافق القرآن كان منقولا عن القرآن؛ فلا أدري كيف يمكن تأليف التاريخ إذا اقتضى تطابق الدليلين تهادمهما بحكم الضرورة، بدلا من أن يؤكّد أحدهما الآخر» «١» .
إنّ هذا يقودنا إلى موقف بعض المستشرقين من القرآن الكريم كمصدر أساسيّ من مصادر السيرة، وذلك أن اعتماد القرآن الكريم في هذا المجال يمكن أن يعدّ سلاحا ذا حدّين، ويتمثّل الحدّ السلبيّ بنفي الكثير من أحداث السيرة ما دامت لم ترد في القرآن الكريم، وكأن القرآن كتاب تاريخي خاص بتفاصيل حياة محمد ﷺ. وهذا مكّنهم من عملية انتقاء مغرضة ذات طابع هدمي معاكس، وهي التشكيك، أو نفي كل رواية لم ترد مؤيداتها في القرآن، ولا سيّما إذا كان في هذه الرواية تمجيد للنبي ﷺ، أو كان في نفيها تأكيد لإحدى وجهات النظر الاستشراقية، فمثلا نجد شبرنكر يرى أن اسم النبي ﷺ ورد في أربع سور من القرآن؛ هي: آل عمران والأحزاب ومحمد والفتح، وكلها سور مدنيّة، ومن ثم فإن لفظة (محمد) لم تكن اسم علم للرسول قبل الهجرة، وإنما اتخذه بتأثير قراءته للإنجيل واتصاله بالنصارى «٢» .
_________________
(١) حياة محمد، المقدمة، ص ٨- ١١.
(٢) انظر: جواد علي، تاريخ العرب: ١/ ٧٨ وهوامشها.
[ ٢٥ ]
وقد يتوجب أن نسأل شبرنكر هنا: إذا كان النبي ﷺ قد التقط اسم (محمد) من خلال قراآته لنبوآت الإنجيل، فأين ذهب- إذن- (محمد) الحقيقي الذي بشر به العهدان القديم والجديد؟!
هنالك مثل آخر: إن إسرائيل ولفنسون يشير، بصدد مهاجمة يهود بني النضير، إلى أنّ مؤرخي العرب يذكرون سببا آخر لإعلان الحرب على هذه الطائفة اليهودية، ذلك هو محاولتهم اغتيال الرسول ﷺ، (لكن المستشرقين يقول ولفنسون- ينكرون صحة هذه الرواية، ويستدلون على كذبها بعدم وجود ذكر لها في سورة الحشر التي نزلت بعد إجلاء بني النضير) «١» .
إننا في مجال التشكيك والنفي الاعتباطي لا بدّ أن نذكر العبارة التي قالها (مونتغمري وات) - موضوع هذه الدراسة- بهذا الصدد: «إذا أردنا أن نصحّح الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدد محمد، فيجب علينا في كل حالة من الأحوال التي لا يقوم الدليل القاطع على ضدها، أن نتمسّك بصلابة بصدقه، ويجب ألاننسى أيضا أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا، وأنه في مثل هذا الموضوع يصعب الحصول عليه «٢» .
ونحن نستطيع أن نضع أيدينا على عشرات بل مئات من الشواهد على النفي الكيفي الذي مارسه المستشرقون، وبخاصة أجيالهم السابقة، إزاء وقائع السيرة؛ فبروكلمان- على سبيل المثال- لا يشير إلى دور اليهود في تأليب الأحزاب على المدينة، ولا إلى نقض بني قريظة عهدها مع الرسول ﷺ في أشد ساعات محنته، لكنه يقول: «ثم هاجم المسلمون بني قريظة الذين كان سلوكهم غامضا على كل حال» «٣»، ويتغاضى إسرائيل ولفنسون عن دور نعيم بن مسعود في معركة الخندق كسبب في انعدام الثقة بين المشركين
_________________
(١) تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، ص ١٣٥- ١٣٧.
(٢) محمد في مكة، ص ٩٤.
(٣) تاريخ الشعوب الإسلامية، ص ٥٣- ٥٤.
[ ٢٦ ]
واليهود «١»، ولعله يريد أن يوحي بذلك أن اليهود لا يمكن أن يخدعوا!
ليس الشكّ والنفي الاعتباطيّ وحدهما، ولكنه الاعتماد على الروايات الضعيفة الشاذّة التي قد لا تصمد أمام النقد: «لقد أخذ المستشرقون- كما يقول الدكتور جواد علي- بالخبر الضعيف في بعض الأحيان وحكموا بموجبه، واستعانوا بالشاذ والغريب وقدموه على المعروف المشهور. استعانوا بالشاذ ولو كان متأخّرا، أو كان من النوع الذي استغربه النقدة وأشاروا إلى نشوزه، تعمدوا ذلك لأن هذا الشاذ هو الأداة الوحيدة في إثارة الشكّ» «٢» .