الجحجاح السَّيِّد
وغال الْأَمر أهلك وَأخذ من حَيْثُ لَا يدْرِي بِهِ قَالَه الْجَوْهَرِي
وَكَانَ يُقَال لَهُ عكة الْعَسَل لكرمه وَكَانَ إِذا سَأَلَهُ سَائل فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ كتب لَهُ بِمَا يُرِيد أَن يُعْطِيهِ إِلَى أَيَّام يسره
قَالَ وَلما عزل عَن الْمَدِينَة انْصَرف من الْمَسْجِد وَحده فَرَأى رجلا يتبعهُ فَقَالَ لَهُ أَلَك حَاجَة قَالَ لَا وَلَكِنِّي رَأَيْتُك وَحدك فوصلت جناحك فَقَالَ لَهُ وصلك الله يَا أخي اطلب لي دَوَاة وجلدا وناد مولَايَ فلَانا فَأتي بذلك فَكتب بِعشْرين ألف دِرْهَم دينا عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِذا جَاءَت غلتنا دفعنَا ذَلِك إِلَيْك فَمَاتَ فِي تِلْكَ السّنة فَأتى بِالْكتاب إِلَى ابْنه عَمْرو بن سعيد الْأَشْدَق فَدفع إِلَيْهِ عشْرين ألف دِرْهَم
[ ١ / ١٠٣ ]
توفّي فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة تسع وَخمسين قَالَه ابْن عبد الْبر
وَهُوَ ابْن أخي سعيد ابْن الْعَاصِ بن أُميَّة صَاحب التَّرْجَمَة وَأحد كِتَابه ﷺ وذكرته اسْتِطْرَادًا للفائدة
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي المورد العذب الهني ذكر سعيد بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد الدمياطي فِي جملَة كِتَابه ﷺ
٢٣ - السّجل
روى عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شَرحه للسيرة لعبد الْغَنِيّ قَالَ السّجل كَاتب لرَسُول الله ﷺ ذكره ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم وَقَالَ ابْن الْأَثِير هُوَ مَجْهُول
قَالَ وَرُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ كَاتب للنَّبِي ﷺ يُقَال لَهُ السّجل فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ وَقَالَ هَذَا غَرِيب تفرد بِهِ حمدَان بن سعيد عَن ابْن نمير عَن عبيد الله عَن نَافِع
قَالَ السُّهيْلي فِي
[ ١ / ١٠٤ ]
التَّعْرِيف والإعلام فِيمَا أبهم فِي الْقُرْآن من الْأَسْمَاء والأعلام وَقد تكلم على هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فَقَالَ السّجل فِيمَا ذكر مُحَمَّد بن الْحسن الْمُقْرِئ عَن جمَاعَة من الْمُفَسّرين قَالَ ملك فِي السَّمَاء الثَّالِثَة ترفع إِلَيْهِ أَعمال الْعباد ترفعها إِلَيْهِ الْحفظَة الموكلون بالخلق فِي كل خَمِيس واثنين وَكَانَ من أعوانه فِيمَا ذكرُوا هاروت وماروت
وَفِي السّنَن لأبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ السّجل كَاتب كَانَ للنَّبِي ﷺ
وَهَذَا لَا يعرف فِي كتاب النَّبِي ﷺ وَلَا فِي أَصْحَابه من اسْمه السّجل وَلَا وجد إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَر
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَذكر ابْن دحْيَة أَن رجلا من بني النجار كَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ثمَّ تنصر فأظهر الله فِيهِ لنَبيه ﷺ معْجزَة وَهُوَ أَنه لما دفن لم تقبله الأَرْض
وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ من بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة عَن أنس ﵁ كَانَ رجل نَصْرَانِيّا فَأسلم وَقَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَكَانَ يكْتب للنَّبِي ﷺ فَعَاد نَصْرَانِيّا فَكَانَ يَقُول مَا يدْرِي مُحَمَّد إِلَّا مَا كتبت لَهُ فأماته الله فدفنوه فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا هَذَا فعل مُحَمَّد وَأَصْحَابه لما هرب مِنْهُم نبشوا عَن صاحبنا فألقوه فَحَفَرُوا لَهُ وأعمقوا لَهُ
[ ١ / ١٠٥ ]
فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا هَذَا فعل مُحَمَّد وَأَصْحَابه نبشوا عَن صاحبنا فألقوه فَحَفَرُوا لَهُ وأعمقوا لَهُ فِي الأَرْض مَا اسْتَطَاعُوا فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَعَلمُوا أَنه لَيْسَ من النَّاس فألقوه
٢٤ - شُرَحْبِيل ابْن حَسَنَة
وَهِي أمه وَأَبوهُ عبد الله بن المطاع بن عبد الله من كِنْدَة حَلِيف لبني زهرَة يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن نسب إِلَى أمه حَسَنَة وَقيل تبنته وَلَيْسَت بِأُمِّهِ
وَهُوَ أول من كتب لرَسُول الله ﷺ
كَانَ من مهاجرة الْحَبَشَة مَعْدُود فِي وُجُوه قُرَيْش وَكَانَ أَمِيرا على ربع من أَربَاع الشَّام
ومواقفه فِي فتوح الشَّام مَعْرُوفَة مَشْهُورَة مِنْهَا لقاءه هُوَ وَعَمْرو بن الْعَاصِ لقسطنطين بن هِرقل خرج إِلَيْهِم من قيسارية الشَّام فِي ثَمَانِينَ ألف لابس من بطارقة الرّوم وأبطالهم وملوكهم مِمَّن انحاز مِنْهُم إِلَيْهِ بساحل الشَّام ومبارزته ﵁ لقيدمون ابْن أُخْت الْملك هِرقل وَكَانَ الْمُسلمُونَ فِي خَمْسَة آلَاف فَخرج إِلَيْهِ والراية بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ اركز الرَّايَة لِئَلَّا تشغلك فركزها
[ ١ / ١٠٦ ]
شُرَحْبِيل فوقفت كالنخلة وغاصت فِي حجر كَأَنَّهَا قد سمرت فِيهِ فتفاءل بالنصر وَخرج للقاء قيدمون والمسلمون يسْأَلُون الله وَيدعونَ لَهُ بالنصر على عدوه
فَلَمَّا رَآهُ البطريق وتأمله ضحك من زيه وَترْجم بلغته وَكَانَ لَهُ صَوت كالرعد وَكَانَ ضخما من الرِّجَال يرى على سَرْجه كَأَنَّهُ البرج والتاج على رَأسه وَكَانَ شُرَحْبِيل ﵁ نحيف الْجِسْم من كَثْرَة صِيَامه وقيامه
فَالْتَقَيَا فسبقه شُرَحْبِيل فَضَربهُ بِالسَّيْفِ لم يعْمل فِيهِ شَيْئا ونبا السَّيْف وضربه قيدمون فَشَجَّهُ وتواخزا على الْخَيل ثمَّ سقطا على الأَرْض وَجعلا يتصارعان وسط الطين ويتخبطان فِيهِ وَكَانَ الْمَطَر كأفواه الْقرب وَمَال عَدو الله على شُرَحْبِيل وَضرب بِيَدِهِ على مراق بَطْنه فقلعه من الأَرْض وَرمى بِهِ على ظَهره ثمَّ اسْتَوَى على صَدره وهم بنحره فَنَادَى شُرَحْبِيل ربه يَا غياث المستغيثين فَخرج إِلَيْهِ من صُفُوف الرّوم طليحة بن خويلد الْأَسدي وَكَانَ ادّعى النُّبُوَّة بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ
فَلَمَّا قرب مِنْهُمَا ظن قيدمون أَنه إِنَّمَا خرج ليعطيه جَوَاده فَلَمَّا قرب مِنْهُمَا ترجل وَمَال على البطريق وسحبه بِرجلِهِ عَن صدر شُرَحْبِيل وَقَالَ قُم يَا عبد الله فقد جَاءَك الْغَوْث من غياث المستغيثين فَوَثَبَ شُرَحْبِيل ينظر إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا من قَوْله وَفعله وَإِذا بِالرجلِ متلثما وَقد جرد سَيْفه وَضرب البطريق ضَرْبَة قطع رَأسه وَقَالَ يَا عبد الله خُذ سلبه
فَقَالَ شُرَحْبِيل وَالله مَا رَأَيْت أعجب من أَمرك لِأَنِّي رَأَيْتُك قد جِئْت من
[ ١ / ١٠٧ ]
نَحْو جَيش الْمُشْركين فَمن أَنْت قَالَ أَنا الشقي طليحة الَّذِي كذبت على الله وَزَعَمت أَن الْوَحْي كَانَ ينزل عَليّ من السَّمَاء ثمَّ أسلم وَله قصَّة مَعْرُوفَة ذكرهَا الْوَاقِدِيّ ﵀
قَالَ ابْن عبد الْبر توفّي شُرَحْبِيل ﵁ فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَهُوَ ابْن سبع وَسِتِّينَ سنة
٢٥ - أَبُو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب
ابْن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف الْقرشِي الْأمَوِي غلبت عَلَيْهِ كنيته وَأمه صَفِيَّة بنت حزن الْهِلَالِيَّة عمَّة مَيْمُونَة هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة وَيزِيد وَعتبَة وإخوتهم ولد قبل الْفِيل بِعشر سِنِين
وَكَانَ من أَشْرَاف قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ تَاجِرًا يُجهز التُّجَّار بأمواله وأموال قُرَيْش إِلَى الشَّام وَغَيرهَا من أَرض الْعَجم وَكَانَ يخرج أَحْيَانًا بِنَفسِهِ
وَكَانَت إِلَيْهِ راية الرؤساء الْمَعْرُوفَة بالعقاب وَكَانَت لَا يحبسها إِلَّا رَئِيس فَإِذا حميت الْحَرْب وَضَعتهَا فِي يَد الرئيس وَيُقَال كَانَ أفضل قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة رَأيا ثَلَاثَة عتبَة وَأَبُو جهل وَأَبُو سُفْيَان فَلَمَّا أَتَى الله بِالْإِسْلَامِ أدبروا فِي الرَّأْي
أسلم أَبُو سُفْيَان يَوْم الْفَتْح وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ حنينا وَأَعْطَاهُ من غنائمها مائَة بعير وَأَرْبَعين أُوقِيَّة فدينها لَهُ بِلَال وَأعْطى ابنيه يزِيد وَمُعَاوِيَة
وَكَانَ يكنى بِأبي حَنْظَلَة بِابْنِهِ حَنْظَلَة الْمَقْتُول يَوْم
[ ١ / ١٠٨ ]
بدر كَافِرًا قَتله عَليّ
وفقئت عينه يَوْم الطَّائِف فَلم يزل أَعور حَتَّى فقئت عينه الْأُخْرَى يَوْم اليرموك أَصَابَهُ حجر فشدخها فَعميَ
مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة وَقيل عُثْمَان
وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة
وَكَانَ ربعَة دحداحا ذَا هَامة عَظِيمَة قَالَه ابْن عبد الْبر