قَالَ السُّهيْلي قَوْله على ربعتهم الربعة والرباعة الْحَال الَّتِي جَاءَ الْإِسْلَام وهم عَلَيْهَا يُقَال فلَان على رباعة قومه إِذا كَانَ قيمهم ووافدهم قَالَ وَكسر الرَّاء فِيهِ هُوَ الْقيَاس على هَذَا الْمَعْنى لِأَنَّهَا ولَايَة وَإِن جعلت الرباعة مصدرا فَالْقِيَاس فتح الرَّاء على شَأْنهمْ وعادتهم من أَحْكَام الدِّيات والدماء يتعاقلون معاقلهم الأولى جمع معقلة ومعقلة من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة
وَقَوله مفرح قَالَ ابْن هِشَام المفرح المخذول المثقل من الدّين والعيال قَالَ الشَّاعِر
[ ٢ / ١٠ ]
(إِذا أَنْت لم تَبْرَح تُؤدِّي أَمَانَة وَتحمل أُخْرَى أفرحتك الودائع)
وَقَالَ السُّهيْلي يجوز أَن يكون من أَفعَال السَّلب أَي سلبتك الْفَرح كَمَا قيل أقسط الرجل إِذا عدل أَي أَزَال الْقسْط وَهُوَ الأعوجاج وَيجوز أَن تكون الْفَاء مبدلة من بَاء فَيكون من البرح وَهُوَ الشدَّة يُقَال لقِيت من فلَان برحا أَي شدَّة وَذكر رِوَايَة أُخْرَى مفرج بِالْجِيم وَذكر فِي مَعْنَاهُ أقوالا مِنْهَا أَنه الَّذِي لَا ديوَان لَهُ وَمِنْهَا أَنه الْقَتِيل بَين القريتين لَا يدْرِي من قَتله وَمِنْهَا أَنه فِي معنى المفرح بِالْحَاء وَهُوَ الَّذِي لَا شَيْء لَهُ وَقد أثقله الدّين فَيقْضى عَنهُ من بَيت المَال
وَقَوله العاني وَهُوَ الْأَسير والمخذول الَّذِي تَركه قومه وَلم يؤاسوه
وَقَوله الدسيعة وَهِي الْعَطِيَّة وَهُوَ مَا يخرج من حلق الْبَعِير إِذا رغا فاستعاره هُنَا للعطية وَأَرَادَ بِهِ هَهُنَا مَا ينَال مِنْهُم من ظلم
وَقَوله يبئ بَعضهم على بعض يمْنَع ويكف قَالَه أَبُو ذَر قَالَ السُّهيْلي هُوَ من البواء أَي الْمُسَاوَاة وَمِنْه قَول مهلهل حِين قتل
[ ٢ / ١١ ]
ابْنا لِلْحَارِثِ بن عباد بؤبشسع نعل كُلَيْب
قَوْله وَمن اعتبط مُؤمنا اعتبطه إِذا قَتله عَن غير شَيْء يُوجب قَتله قَالَه أَبُو ذَر
قَوْله فَإِنَّهُ لَا يوتغ إِلَّا نَفسه أَي لَا يوبق وَلَا يهْلك يُقَال وتغ الرجل وأوتغه غَيره أهلكه قَالَه السُّهيْلي
قَوْله وَأَن بطانة يهود بطانة الرجل خاصته وَأهل سره قَالَه أَبُو ذَر
وَقَالَ الفتك الْقَتْل والاشتجار الِاخْتِلَاف يُقَال اشتجر الْقَوْم إِذا اخْتلفُوا
وَقَوله من دهم يُرِيد من فاجأهم يُقَال دهمتهم الْخَيل تدهمهم
قَالَ السُّهيْلي وَقَوله أَن الْبر دون الْإِثْم أَي أَن الْبر وَالْوَفَاء يَنْبَغِي أَن يكون حاجزا عَن الْإِثْم
وَقَوله أَن الله على أتقى مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة وأبره أَي أَن الله
[ ٢ / ١٢ ]
وَحزبه الْمُؤمنِينَ على الرضى بِهِ
ثمَّ قَالَ يَعْنِي السُّهيْلي هَذَا كتاب رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَينه وَبَين الْيَهُود حِين قدم الْمَدِينَة شَرط لَهُم فِيهِ وَشرط عَلَيْهِم وأمنهم فِيهِ على أنفسهم وأهليهم وَأَمْوَالهمْ وَكَانَت أَرض يثرب لَهُم قبل نزُول الْأَنْصَار فَلَمَّا كَانَ سيل العرم وَتَفَرَّقَتْ سبا نزلت الْأَوْس والخزرج بِأَمْر طريفة الكاهنة وَأمر عمرَان بن عَامر فَإِنَّهُ كَانَ كَاهِنًا وَبِمَا سجعت بِهِ لكل قَبيلَة من سبا فسجعت لبني حَارِثَة بن ثَعْلَبَة وهم الْأَوْس والخزرج أَن ينزلُوا يثرب ذَات النّخل فنزلوها على يهود وحالفوهم وَأَقَامُوا مَعَهم وَكَانَت الدَّار وَاحِدَة وَالسَّبَب فِي كَون الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ وَهِي وسط أَرض الْعَرَب مَعَ أَن الْيَهُود أصلهم من أَرض كنعان أَن بني إِسْرَائِيل كَانَت تغير عَلَيْهِم العماليق من أَرض الْحجاز وَكَانَت مَنَازِلهمْ يثرب والجحفة إِلَى مَكَّة فشكت بَنو إِسْرَائِيل ذَلِك إِلَى مُوسَى ﵇ فَوجه إِلَيْهِم جَيْشًا وَأمرهمْ أَن يقتلوهم وَلَا يبقوا مِنْهُم أحدا فَفَعَلُوا وَتركُوا مِنْهُم ابْن ملك لَهُم كَانَ غُلَاما حسنا فرقوا لَهُ وَيُقَال للْملك الأرقم بن الأرقم فِيمَا ذكر الزبير
[ ٢ / ١٣ ]
ثمَّ رجعُوا إِلَى الشَّام ومُوسَى ﵇ قد مَاتَ فَقَالَت بَنو إِسْرَائِيل لَهُم قد عصيتم وخالفتم فَلَا نؤويكم فَقَالُوا نرْجِع إِلَى الْبِلَاد الَّتِي غلبنا عَلَيْهَا فنكون بهَا فَرَجَعُوا إِلَى يثرب فاستوطنوها وتناسلوا بهَا إِلَى أَن نزلت عَلَيْهِم الْأَوْس والخزرج بعد سيل العرم
وَقيل إِن طَائِفَة من بني إِسْرَائِيل لحقت بِأَرْض الْحجاز حِين دوخ بخت نصر البابلي بِلَادهمْ وجاس خلال دِيَارهمْ لحق من لحق مِنْهُم بالحجاز كقريظة وَالنضير وَسَكنُوا خَيْبَر وَالْمَدينَة وَالله ﷾ أعلم
وَأما يثرب فاسم رجل من العماليق نزل بهَا فَعرفت باسمه وَهُوَ يثرب بن قاين بن عبيل وَبَنُو عبيل هم الَّذين سكنوا الْجحْفَة فأحجفت بهم السُّيُول وَبِذَلِك سميت الْجحْفَة فَلَمَّا احتلها رَسُول الله ﷺ كره لَهَا هَذَا الِاسْم لما فِيهِ من لفظ التثريب وسماها طيبَة وطابة وَالْمَدينَة
[ ٢ / ١٤ ]
وروى عَن كَعْب وَغَيره أَن لَهَا فِي التَّوْرَاة أحد عشر اسْما ذكرهَا السُّهيْلي قَالَ وروى فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَقل رب أدخلني مدْخل صدق﴾ أَنَّهَا الْمَدِينَة ﴿وأخرجني مخرج صدق﴾ أَنَّهَا أَنَّهَا مَكَّة و﴿سُلْطَانا نَصِيرًا﴾ الْأَنْصَار ﵃
قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام إِنَّمَا كتب رَسُول الله ﷺ هَذَا الْكتاب قبل أَن تفرض الْجِزْيَة وَإِذا كَانَ الْإِسْلَام ضَعِيفا وَكَانَ للْيَهُود إِذْ ذَاك نصيب من الْمغنم إِذا قَاتلُوا مَعَ الْمُسلمين كَمَا شَرط عَلَيْهِم فِي هَذَا الْكتاب النَّفَقَة مَعَهم فِي الحروب
قَالَ السُّهيْلي ثمَّ آخى رَسُول الله ﷺ بَين أَصْحَابه حِين نزلُوا الْمَدِينَة ليذْهب عَنْهُم وَحْشَة الغربة ويؤنسهم من مُفَارقَة الْأَهْل وَالْعشيرَة ويشد أزر بَعضهم بِبَعْض فَلَمَّا عز الْإِسْلَام وَاجْتمعَ الشمل وَذَهَبت الوحشة أنزل الله سُبْحَانَهُ وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتب الله يَعْنِي الْمِيرَاث ثمَّ جعل الْمُؤمنِينَ كلهم إخْوَة فَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ يَعْنِي فِي التواد وشمول الدعْوَة
[ ٢ / ١٥ ]
بَاب فِي ذكر النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة وَخبر إِسْلَامه ومكاتباته لَهُ ﷺ وَمَا يتَعَلَّق بذلك
روينَا عَن أنس ﵁ أَن نَبِي الله ﷺ كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَإِلَى النَّجَاشِيّ وَإِلَى كل جَبَّار يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى فَدلَّ على أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين عينهم أكبر مُلُوك الأَرْض وَبَقِيَّة الْمُلُوك تبع لَهُم فِي زَمَانه ﷺ وَلذَلِك كَانُوا يدعونَ كسْرَى شاهان شاه يَعْنِي ملك الْمُلُوك وَقد كره رَسُول الله ﷺ أَن يتسمى الرجل بِهَذَا الِاسْم وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
[ ٢ / ١٧ ]
فَبَدَأت بالنجاشي ﵀ لسرعة إجَابَته لدَعْوَة رَسُول الله ﷺ وإسلامه وتواضعه وَعدم توقفه عِنْد سَماع التَّنْزِيل واتباعه الْحق وَلم يَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم ولكونه ﷺ صلى عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَظُهُور المعجزة فِي ذَلِك وتتبعت جَمِيع مَا رُوِيَ فِي ذَلِك حسب الِاسْتِطَاعَة فَأَقُول قَالَ ابْن دحْيَة فِي فضل الْأَيَّام والشهور النَّجَاشِيّ بِفَتْح النُّون وَكسرهَا واسْمه أَصْحَمَة قَالَ ابْن زبر فِي وفياته وروى مصحمة بِالْمِيم بدل الْهمزَة بن أبجر وَمن كتاب نَوَادِر التَّفْسِير لمقاتل بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي قَالَ اسْم النَّجَاشِيّ مَكْحُول بن صصه وكل من ملك الْحَبَشَة يُقَال لَهُ النَّجَاشِيّ وَهُوَ من النجش وَهُوَ كشفك عَن الشَّيْء وبحثك عَنهُ قَالَ الرشاطي الْحَبَشَة من ولد حبش بن كوش ابْن حام وَهُوَ أكبر مُلُوك السودَان وَجَمِيع ممالك السودَان يُعْطون الطَّاعَة للحبشة
أسلم النَّجَاشِيّ وَحسن إِسْلَامه روينَا عَن عبد الْملك بن هِشَام
[ ٢ / ١٨ ]
عَن زِيَاد البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَن رَسُول الله ﷺ لما رأى مَا يُصِيب أَصْحَابه من الْبلَاء من أهل مَكَّة وتعذيبهم عِنْد مَا أظهرُوا الْإِسْلَام قَالَ لَهُم لَو خَرجْتُمْ إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَإِن بهَا ملكا عَظِيما لَا يظلم عِنْده أحد وَهِي أَرض صدق حَتَّى يَجْعَل الله لكم فرجا مِمَّا أَنْتُم فِيهِ فَخرج قوم وَستر الْبَاقُونَ إسْلَامهمْ وَكَانَت أَرض الْحَبَشَة متجرا لقريش فَخرج عِنْد ذَلِك أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَخَافَة الْفِتْنَة وفرارا إِلَى الله بدينهم فَكَانَت أول هِجْرَة فِي الْإِسْلَام وَكَانُوا أحد عشر نَفرا وَأَرْبع نسْوَة متسللين سرا فصادف وصولهم إِلَى الْبَحْر سفينتين للتجار فحملوهم فيهمَا إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَكَانَ مخرجهم فِي رَجَب من السّنة الْخَامِسَة من النُّبُوَّة وَخرجت قُرَيْش فِي آثَارهم فقاتلوهم
وَكَانَ أول من خرج عُثْمَان بن عَفَّان مَعَه امْرَأَته رقية بنت رَسُول الله ﷺ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وجعفر بن أبي طَالب وَأَبُو سَلمَة وَامْرَأَته أم سَلمَة وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة وَعبد الله بن مَسْعُود فِيمَن خرج مَعَهم ﵃ فأقاموا عِنْد النَّجَاشِيّ شعْبَان ورمضان وَقدمُوا فِي شَوَّال وَلم يدْخل أحدهم مَكَّة فآذوهم عَشَائِرهمْ فَأذن لَهُم رَسُول الله ﷺ فِي الْخُرُوج مرّة أُخْرَى فَخَرجُوا فِي جمَاعَة من رجال وَنسَاء وَكَانَ جَمِيع من لحق بِأَرْض
[ ٢ / ١٩ ]
الْحَبَشَة سوى من ولد بهَا وَأَبْنَائِهِمْ الَّذين خَرجُوا بهم صغَارًا نيفا وَثَمَانِينَ رجلا وَإِحْدَى عشرَة امْرَأَة وَلما سمعُوا بمهاجرة النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة رَجَعَ مِنْهُم ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ رجلا وثمان نسْوَة فَمَاتَ مِنْهُم رجل بِمَكَّة وَحبس سَبْعَة وَشهد بَدْرًا مِنْهُم أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ
وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت لما نزلنَا أَرض الْحَبَشَة جاورنا بهَا خير جَار النَّجَاشِيّ أمنا أمنا على ديننَا وعبدنا الله لَا نؤذى وَلَا نسْمع شَيْئا نكرهه فَلَمَّا بلغ ذَلِك قُريْشًا ائْتَمرُوا بَينهم أَن يبعثوا إِلَى النَّجَاشِيّ فِينَا رجلَيْنِ جلدين وَأَن يهدوا لَهُ هَدَايَا مِمَّا يستطرف من مَتَاع مَكَّة وَكَانَ من أعجب مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأدم فَجمعُوا لَهُ أدما كثيرا وَلم يتْركُوا من بطارقته بطريقا إِلَّا أهدوا لَهُ هَدِيَّة ثمَّ بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ وأمروهما بأمرهم وَقَالُوا لَهما ادفعا إِلَى كل بطرِيق هديته قبل أَن تكلما النَّجَاشِيّ فيهم ثمَّ قدما إِلَى النَّجَاشِيّ هداياه ثمَّ سلاه أَن يسلمهم إلَيْكُمَا قبل أَن يكلمهم
قَالَت أم سَلمَة فَخَرَجَا حَتَّى قدما على النَّجَاشِيّ وَنحن عِنْدهم بِخَير دَار عِنْد خير جَار فَلم يبْق من بطارقته بطرِيق إِلَّا دفعا إِلَيْهِ هديته
[ ٢ / ٢٠ ]
قبل أَن يكلما النَّجَاشِيّ وَقَالا لكل بطرِيق مِنْهُم إِنَّه قد ضوى إِلَى بِلَاد الْملك يَعْنِي أَوَى وانضم إِلَيْهِ قَالَه الْجَوْهَرِي منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ وَلم يدخلُوا فِي دينكُمْ وَجَاءُوا بدين مُبْتَدع لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْتُم وَقد بعثنَا إِلَى الْملك فيهم أَشْرَاف قَومهمْ ليردهم إِلَيْهِم فَإِذا كلمنا الْملك فيهم فأشيروا عَلَيْهِ بِأَن يسلمهم إِلَيْنَا وَلَا يكلمهم فَإِن قَومهمْ أَعلَى بهم عينا وَأعلم بِمَا كَانُوا عابوا عَلَيْهِم فَقَالُوا لَهما نعم
ثمَّ إنَّهُمَا قربا هداياهما إِلَى النَّجَاشِيّ قبلهَا مِنْهُمَا ثمَّ كلماه فَقَالَا لَهُ أَيهَا الْملك إِنَّه قد ضوى إِلَى بلدك منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ وَلم يدخلُوا فِي دينك وَجَاءُوا بدين ابتدعوه لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْت وَقد بعثنَا إِلَيْك فيهم أَشْرَاف قَومهمْ من آبَائِهِم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عَلَيْهِم فهم أَعلَى بهم عينا وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم وعاتبوهم فِيهِ قَالَت وَلم يكن شَيْء أبْغض إِلَى عبد الله بن أبي ربيعَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ من أَن يسمع كَلَامهم النَّجَاشِيّ قَالَت فَقَالَت بطارقته حوله صدقا أَيهَا الْملك قَومهمْ أَعلَى بهم عينا وَأعلم بِمَا
[ ٢ / ٢١ ]
عابوا عَلَيْهِم فأسلمهم إِلَيْهِمَا فليرداهم إِلَى بِلَادهمْ وقومهم قَالَت فَغَضب النَّجَاشِيّ ثمَّ قَالَ لَا هَا الله إِذا لَا أسلمهم إِلَيْهِمَا وَلَا يكَاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حَتَّى أدعوهم فأسألهم عَمَّا يَقُول هَذَانِ فِي أَمرهم فَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أسلمتهم إِلَيْهِمَا ورددتهم إِلَى قَومهمْ وَإِن كَانُوا على غير ذَلِك منعتهم مِنْهُم وأحسنت جوارهم مَا جاوروني
قَالَت ثمَّ أرسل إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُم رَسُوله اجْتَمعُوا ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض مَا تَقولُونَ للرجل إِذا جئتموه قَالُوا نقُول وَالله مَا علمنَا وَمَا أمرنَا بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن
فَلَمَّا جَاءُوا وَقد دَعَا النَّجَاشِيّ أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُم مَا هَذَا الَّذين الَّذِي فارقتم فِيهِ قومكم وَلم تدْخلُوا فِي ديني وَلَا فِي دين أحد من هَذِه الْملَل قَالَت فَكَانَ الَّذِي كَلمه جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْملك كُنَّا قوما أهل جَاهِلِيَّة نعْبد الْأَصْنَام وَنَأْكُل الْميتَة ونأتي الْفَوَاحِش ونقطع الْأَرْحَام ونسيء الْجوَار وَيَأْكُل الْقوي الضَّعِيف فَكُنَّا على ذَلِك حَتَّى
[ ٢ / ٢٢ ]
بعث الله سُبْحَانَهُ إِلَيْنَا رَسُولا منا نَعْرِف نسبه وَصدقه وأمانته وعفافه فَدَعَانَا إِلَى الله لنوحده ونعبده ونخلع مَا كُنَّا نعْبد نَحن وآباؤنا من دونه من الْحِجَارَة والأوثان وأمرنا بِصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وصلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار والكف عَن الْمَحَارِم والدماء ونهانا عَن الْفَوَاحِش وَقَول الزُّور وَأكل مَال الْيَتِيم وَقذف الْمُحْصنَات وأمرنا أَن نعْبد الله لَا نشْرك بِهِ شَيْئا وأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام قَالَت فعدد عَلَيْهِ أُمُور الْإِسْلَام فصدقنا وآمنا بِهِ واتبعناه على مَا جَاءَ بِهِ من الله فعبدنا الله وَحده وَلم نشْرك بِهِ شَيْئا وحرمنا مَا حرم علينا وأحللنا مَا أحل لنا فَعدا علينا قَومنَا فعذبونا وفتنونا عَن ديننَا ليردونا إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان من عبَادَة الله وَأَن نستحل مَا كُنَّا نستحل من الْخَبَائِث فَلَمَّا قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بَيْننَا وَبَين ديننَا خرجنَا إِلَى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا فِي جوارك ورجونا أَن لَا نظلم عنْدك أَيهَا الْملك قَالَت فَقَالَ النَّجَاشِيّ هَل مَعَك مِمَّا جَاءَ بِهِ عَن الله من شَيْء قَالَت فَقَالَ لَهُ جَعْفَر نعم فَقَالَ النَّجَاشِيّ فاقرأه عَليّ قَالَت فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدرا من ﴿كهيعص﴾ قَالَت فَبكى وَالله النَّجَاشِيّ حَتَّى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حَتَّى أخضلوا مصاحفهم
[ ٢ / ٢٣ ]
حِين سمعُوا مَا تَلا عَلَيْهِم قَالَ الْجَوْهَرِي اخضل مَعْنَاهُ بل ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيّ إِن هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ليخرج من مشكاة وَاحِدَة قَالَ الواحدي الْمشكاة كوَّة غير نَافِذَة انْطَلقَا فوَاللَّه لَا أسلمهم إلَيْكُمَا وَلَا نكاد
قَالَت فَلَمَّا خرجا من عِنْده قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَالله لَآتِيَنه غَدا عَنْهُم بِمَا أستأصل بِهِ خضراءهم قَالَ الْجَوْهَرِي خضراءهم يَعْنِي سوادهم ومعظمهم وَأنْكرهُ الْأَصْمَعِي وَقَالَ إِنَّمَا يُقَال غضراءهم أَي خَيرهمْ وغضارتهم قَالَت فَقَالَ عبد الله بن أبي ربيعَة وَكَانَ أبقى الرجلَيْن فِينَا لَا تفعل فَإِن لَهُم أرحاما وَإِن كَانُوا قد خالفونا قَالَ وَالله لأخبرنه أَنهم يَزْعمُونَ أَن عِيسَى بن مَرْيَم عبد قَالَت ثمَّ غَدا عَلَيْهِ من الْغَد فَقَالَ أَيهَا الْملك إِنَّهُم يَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قولا عَظِيما فَأرْسل إِلَيْهِم فسلهم عَمَّا
[ ٢ / ٢٤ ]
يَقُولُونَ فِيهِ قَالَت فَأرْسل إِلَيْهِم ليسألهم عَنهُ قَالَت وَلم ينزل بِنَا مثلهَا قطّ فَاجْتمع الْقَوْم ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض مَاذَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قَالَت فَقَالَ جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن
قَالَت فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُم مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قَالَت فَقَالَ جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبينَا نقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله وروحه وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول قَالَ الْجَوْهَرِي الْعَذْرَاء الْبكر والبتول المنقطعة من الزواج وَقيل المنقطعة إِلَى الله تَعَالَى عَن الدُّنْيَا قَالَت فَضرب النَّجَاشِيّ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض فَأخذ مِنْهَا عودا ثمَّ قَالَ مَا عدا عِيسَى بن مَرْيَم مِمَّا قلت هَذَا الْعود قَالَت فتناخرت بطارقته حوله حِين قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ وَإِن نخرتم وَالله اذْهَبُوا فَأنْتم شيوم بأرضي والشيوم الآمنون من سبكم غرم ثمَّ
[ ٢ / ٢٥ ]
قَالَ من سبكم غرم مَا أحب أَن لي دبرا من ذهب قَالَ ابْن هِشَام وَيُقَال ديرا وَيُقَال فَأنْتم سيوم وَأَنِّي آذيت رجلا مِنْكُم والدبر بِلِسَان الْحَبَشَة الْجَبَل ردوا عَلَيْهِمَا هداياهما فَلَا حَاجَة لي بهَا فوَاللَّه مَا أَخذ الله مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ وَمَا أطَاع النَّاس فِي فأطيعهم فِيهِ
قَالَت فَخَرَجَا من عِنْده مقبوحين مردودا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وأقمنا عِنْده بِخَير دَار مَعَ خير جَار قَالَت فوَاللَّه إِنَّا لعلى ذَلِك إِذْ نزل بِهِ رجل من الْحَبَشَة ينازعه فِي ملكه قَالَت فوَاللَّه مَا علمتنا حزنا قطّ كَانَ أَشد من حزن حزناه عِنْد ذَلِك تخوفا أَن يظْهر ذَلِك الرجل على النَّجَاشِيّ فَيَأْتِي رجل لَا يعرف من حَقنا مَا كَانَ النَّجَاشِيّ يعرف مِنْهُ قَالَت وَسَار إِلَيْهِ النَّجَاشِيّ وَبَينهمَا عرض النّيل قَالَت فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من رجل يخرج حَتَّى يحضر وقيعة الْقَوْم ثمَّ يأتينا بالْخبر قَالَت فَقَالَ الزبير بن الْعَوام أَنا قَالُوا فَأَنت وَكَانَ من أحدث الْقَوْم سنا قَالَت فنفخوا لَهُ قربَة فَجَعلهَا فِي صَدره ثمَّ سبح عَلَيْهَا حَتَّى خرج إِلَى نَاحيَة النّيل الَّتِي بهَا ملتقى الْقَوْم ثمَّ انْطلق حَتَّى حضرهم قَالَت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه
[ ٢ / ٢٦ ]
والتمكين لَهُ فِي بِلَاده قَالَت فوَاللَّه إِنَّا لعلى ذَلِك متوقعون لَهُ مَا هُوَ كَائِن إِذْ طلع الزبير بن الْعَوام يسْعَى فلمع بِثَوْبِهِ أَلا فأبشروا فقد ظفر النَّجَاشِيّ وَأهْلك الله عدوه قَالَت فوَاللَّه مَا علمتنا فرحنا فرحة قطّ مثلهَا قَالَت وَرجع النَّجَاشِيّ وَقد أهلك الله عدوه وَمكن لَهُ فِي بِلَاده واستوسق عَلَيْهِ أَمر الْحَبَشَة فَكُنَّا عِنْده فِي خير منزل حَتَّى قدمنَا على رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة
قَالَ وَأما قَول النَّجَاشِيّ مَا أَخذ الله مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ فَقَالَت عَائِشَة ﵂ إِن أَبَاهُ ملك قومه وَلم يكن لَهُ ولد إِلَّا النَّجَاشِيّ وَكَانَ للنجاشي عَم لَهُ من صلبه اثْنَا عشر ولدا وَكَانُوا أهل بَيت مملكة الْحَبَشَة فَقَالَت الْحَبَشَة بَينهَا لَو أَنا قتلنَا أَبَا النَّجَاشِيّ وملكنا أَخَاهُ فَإِنَّهُ لَا ولد لَهُ غير هَذَا الْغُلَام وَإِن لِأَخِيهِ من صلبه اثْنَي عشر رجلا فتوارثوا الْملك من بعده بقيت الْحَبَشَة بعده دهرا فعدوا على أبي النَّجَاشِيّ فَقَتَلُوهُ وملكوا أَخَاهُ فَمَكَثُوا على ذَلِك حينا وَنَشَأ النَّجَاشِيّ مَعَ عَمه وَكَانَ لبيبا حازما فغلب على أَمر عَمه وَنزل مِنْهُ كل منزلَة فَلَمَّا رَأَتْ الْحَبَشَة مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَت بَينهَا وَالله لقد غلب هَذَا الْفَتى على أَمر عَمه وَإِنَّا لنتخوف أَن يملكهُ علينا فَإِن ملكه علينا ليقتلنا أَجْمَعِينَ وَلَقَد عرف أَنا نَحن
[ ٢ / ٢٧ ]
قتلنَا أَبَاهُ فَمَشَوْا إِلَى عَمه فَقَالُوا إِمَّا أَن تقتل هَذَا الْفَتى وَإِمَّا أَن نخرجهُ من بَين أظهرنَا فَإنَّا قد خفناه على أَنْفُسنَا قَالَ وَيْلكُمْ قتلت أَبَاهُ بالْأَمْس وأقتله الْيَوْم بل أخرجه عَنْكُم قَالَت فَخَرجُوا بِهِ إِلَى السُّوق فباعوه من رجل من التُّجَّار بستمائة دِرْهَم فقذفه فِي سفينته فَانْطَلق بِهِ
حَتَّى إِذا كَانَ الْعشي من ذَلِك الْيَوْم هَاجَتْ سَحَابَة من سحائب الخريف فَخرج عَمه يستمطر تحتهَا فأصابته صَاعِقَة فَقتلته قَالَت فَفَزِعت الْحَبَشَة إِلَى وَلَده فَإِذا هُوَ محمق لَيْسَ فِي وَلَده خير فمرج على الْحَبَشَة أَمرهم يَعْنِي اخْتَلَط واضطرب قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء وَبِفَتْحِهَا عَكسه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مرج الْبَحْرين﴾ أَي خلاهما لَا يلتبسان قَالَت فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ من ذَلِك قَالَ بَعضهم لبَعض تعلمُوا وَالله إِن ملككم الَّذِي لَا يُقيم أَمركُم غَيره للَّذي بعتموه غدْوَة فَإِن كَانَ لكم بِأَمْر الْحَبَشَة حَاجَة فأدركوه قَالَت فَخَرجُوا فِي طلبه وَطلب الرجل الَّذِي باعوه مِنْهُ حَتَّى أدركوه فَأَخَذُوهُ مِنْهُ ثمَّ جَاءُوا بِهِ فعقدوا عَلَيْهِ التَّاج وأقعدوه على سَرِير الْملك فملكوه فَجَاءَهُمْ التَّاجِر الَّذِي كَانُوا باعوه مِنْهُ فَقَالَ إِمَّا أَن تعطوني مَالِي وَإِمَّا أَن ُأكَلِّمهُ فِي ذَلِك فَقَالُوا لَا نعطيك شَيْئا
[ ٢ / ٢٨ ]
قَالَ إِذا وَالله ُأكَلِّمهُ قَالُوا فدونك قَالَ فجَاء فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ وَقَالَ أَيهَا الْملك ابتعت غُلَاما من قوم بِالسوقِ بستمائة دِرْهَم فأسلموا إِلَيّ غلامي وَأخذُوا دراهمي حَتَّى إِذا سرت بغلامي أدركوني فَأخذُوا غلامي ومنعوني دراهمي قَالَت فَقَالَ لَهُم النَّجَاشِيّ لتعطنه دَرَاهِمه أَو ليضعن يَد غُلَامه فِي يَده فليذهبن بِهِ حَيْثُ شَاءَ قَالُوا بل نُعْطِيه دَرَاهِمه قَالَت فَلذَلِك قَالَ مَا أَخذ الله مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ قَالَت وَكَانَ ذَلِك أول مَا خبر من صلابته فِي دينه وعدله فِي حكمه
قَالَ السُّهيْلي وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنهم أَخَذُوهُ مِنْهُ قبل أَن يَأْتِي بِهِ بِلَاده لقَوْله خَرجُوا فِي طلبه فأدركوه وَقد بَين فِي حَدِيث آخر أَن سَيّده كَانَ من الْعَرَب وَأَنه استعبده طَويلا وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْله فَلَمَّا مرج على الْحَبَشَة أَمرهم وضاق عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ وَهَذَا يدل على طول الْمدَّة فِي مغيبه عَنْهُم وَقد رُوِيَ أَن وقْعَة بدر حِين انْتهى خَبَرهَا إِلَى النَّجَاشِيّ ﵀ علم بهَا قبل من عِنْده من الْمُسلمين فَأرْسل إِلَيْهِم فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ إِذا هُوَ قد
[ ٢ / ٢٩ ]
لبس مسحا وَقعد على التُّرَاب والرماد فَقَالُوا لَهُ مَا هَذَا أَيهَا الْملك فَقَالَ إِنَّا نجد فِي الْإِنْجِيل أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا أحدث بِعَبْدِهِ نعْمَة وَجب على العَبْد أَن يحدث لله تواضعا وَأَن الله قد أحدث إِلَيْنَا وإليكم نعْمَة عَظِيمَة وَهِي أَن النَّبِي مُحَمَّدًا ﷺ بَلغنِي أَنه التقى هُوَ وأعداؤه بواد يُقَال لَهُ بدر كثير الْأَرَاك كنت أرعى فِيهِ الْغنم على سَيِّدي وَهُوَ من بني ضَمرَة وَأَن الله تَعَالَى قد هزم أعداءه فِيهِ وَنصر دينه فَدلَّ هَذَا الْخَبَر على طول مكثه فِي بِلَاد الْعَرَب فَمن هُنَا وَالله أعلم تعلم من لِسَان الْعَرَب مَا فهم بِهِ سُورَة مَرْيَم حِين تليت عَلَيْهِ حَتَّى بَكَى واخضلت لحيته
وَذكر أَن جعفرا ﵁ ولد لَهُ بِأَرْض الْحَبَشَة ثَلَاثَة أَوْلَاد مُحَمَّد وَعون وَعبد الله وَكَانَ النَّجَاشِيّ قد ولد لَهُ مَوْلُود يَوْم ولد عبد الله فَأرْسل إِلَى جَعْفَر يسْأَله كَيفَ أسميت ابْنك فَقَالَ عبد الله فَسمى النَّجَاشِيّ ابْنه عبد الله وأرضعته أَسمَاء بنت عُمَيْس امْرَأَة جَعْفَر مَعَ ابْنهَا عبد الله فَكَانَا يتواصلان بِتِلْكَ الْأُخوة
قَالَ السُّهيْلي وَمن رِوَايَة يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق أَن أَبَا نيزر مولى عَليّ بن أبي طَالب ﵇ كَانَ ابْنا للنجاشي نَفسه
[ ٢ / ٣٠ ]
وَأَن عليا ﵇ وجده عِنْد تَاجر بِمَكَّة فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأعْتقهُ مُكَافَأَة لما صنع أَبوهُ مَعَ الْمُسلمين
وَذكر أَن الْحَبَشَة مرج عَلَيْهَا أمرهَا بعد موت النَّجَاشِيّ ﵀ وَأَنَّهُمْ أرْسلُوا وَفْدًا مِنْهُم إِلَى أبي نيزر وَهُوَ مَعَ عَليّ ﵇ ليملكوه ويتوجوه وَلم يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَأبى وَقَالَ مَا كنت لأطلب الْملك بعد أَن من الله عَليّ بِالْإِسْلَامِ قَالَ وَكَانَ أَبُو نيزر من أطول النَّاس قامة وَأَحْسَنهمْ وَجها قَالَ وَلم يكن لَونه كلون الْحَبَشَة وَلَكِن إِذا رَأَيْته قلت رجل من الْعَرَب
وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ اجْتمعت الْحَبَشَة فَقَالُوا للنجاشي إِنَّك فَارَقت ديننَا وَخَرجُوا عَلَيْهِ قَالَ فَأرْسل إِلَى جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه فَهَيَّأَ لَهُم سفنا وَقَالَ اركبوا فِيهَا وَكُونُوا كَمَا أَنْتُم فَإِن هزمت فامضوا حَتَّى تلحقوا بِحَيْثُ شِئْتُم وَإِن ظَفرت فاثبتوا
ثمَّ عمد إِلَى كتاب فِيهِ هُوَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَيشْهد أَن عِيسَى بن مَرْيَم عبد الله وَرَسُوله وروحه وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم ثمَّ جعله فِي قبائه عِنْد الْمنْكب الْأَيْمن وَخرج إِلَى الْحَبَشَة وَقد صفوا لَهُ فَقَالَ يَا معشر الْحَبَشَة أَلَسْت
[ ٢ / ٣١ ]
أَحَق النَّاس بكم قَالُوا بلَى قَالَ فَكيف رَأَيْتُمْ سيرتي فِيكُم قَالُوا خير سيرة قَالَ فمالكم قَالُوا فَارَقت ديننَا وَزَعَمت أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم عبد قَالَ فَمَا تَقولُونَ أَنْتُم فِي عِيسَى قَالُوا نقُول ابْن الله فَقَالَ النَّجَاشِيّ وَوضع يَده على قبائه وَهُوَ يشْهد أَن عِيسَى بن مَرْيَم لم يزدْ على هَذَا شَيْئا وَإِنَّمَا يَعْنِي مَا كتب فرضوا وَانْصَرفُوا فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَلَمَّا مَاتَ صلى عَلَيْهِ واستغفر لَهُ
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ نعى لنا رَسُول الله ﷺ النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَخرج إِلَى الْمصلى فَصف أَصْحَابه خَلفه فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا وَتُوفِّي ﵀ فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة وَفِي رِوَايَة صلى عَلَيْهِ بِالبَقِيعِ رفع إِلَيْهِ سَرِيره بِالْحَبَشَةِ حَتَّى رَآهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فصلى عَلَيْهِ وَتكلم المُنَافِقُونَ فَقَالُوا يُصَلِّي على هَذَا العلج فَأنْزل الله تَعَالَى وَإِن من أهل الْكتب لمن يُؤمن بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْكُم وَمَا أنزل إِلَيْهِم خشعين لله لَا يشْتَرونَ بايت الله ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم قلت وَهُوَ من الَّذين يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ كَمَا ورد فِي الصَّحِيح رجل من أهل الْكتاب آمن بِمَا جِئْت بِهِ وَصدق الْمُرْسلين قَالَت عَائِشَة ﵂ وَكَانَ يتحدث أَنه
[ ٢ / ٣٢ ]
لَا يزَال يرى على قَبره نور يَعْنِي النَّجَاشِيّ ﵀ روينَاهُ عَن ابْن إِسْحَاق