وَحكى ابْن إِسْحَاق عَن خَالِد بن سِنَان عَن رجل من قدماء أهل الرّوم قَالَ لما أَرَادَ هِرقل الْخُرُوج من أَرض الشَّام إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة لما بلغه من أَمر رَسُول الله ﷺ جمع الرّوم وَقَالَ إِنِّي عَارض عَلَيْكُم أمورا فانظروا قَالُوا وَمَا هِيَ قَالَ تعلمُونَ وَالله أَن هَذَا الرجل لنَبِيّ مُرْسل نجده فِي كتبنَا ونعرفه بِصفتِهِ فَهَلُمَّ نتبعه فَقَالُوا نَكُون تَحت أَيدي الْعَرَب قَالَ فَأعْطِيه الْجِزْيَة كل سنة أكسر عني شوكته
[ ٢ / ٩٠ ]
وأستريح من حربه قَالُوا نعطي الْعَرَب الذل وَالصغَار لَا وَالله قَالَ فَأعْطِيه أَرض سورية وَهِي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وَمَا دون الدَّرْب قَالُوا لَا نَفْعل قَالَ أما وَالله لترون أَنكُمْ قد ظفرتم إِذا امتنعتم مِنْهُ فِي مدينتكم ثمَّ جلس على بغل لَهُ فَانْطَلق حَتَّى إِذا أشرف على الدَّرْب اسْتقْبل أَرض الشَّام فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك أَرض سورية سَلام الْوَدَاع ثمَّ ركض حَتَّى دخل الْقُسْطَنْطِينِيَّة
يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَهَذَا معنى قَوْله ﷺ إِذا ذهب قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده الحَدِيث وَكَانَ كَمَا قَالَ فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ أخذت كنوزهما وأنفقت فِي سَبِيل الله ﷿ وَمَا ينْطق عَن الْهوى وَقد أخبر ﷺ وَفد عذرة حِين قدمُوا عَلَيْهِم فِي صفر سنة تسع وَفِيهِمْ حَمْزَة بن النُّعْمَان فأسلموا وبشرهم بِفَتْح الشَّام وهروب هِرقل إِلَى مُمْتَنع من بِلَاده وَكَانُوا اثْنَي عشر رجلا فيهم حَمْزَة الْمَذْكُور فَفِي هَذِه الْأَحَادِيث من الْبَيَان الشافي وَالتَّصْرِيح الْكَافِي بِأَمْر النَّبِي ﷺ ورسالته مَا يُغني عَن النّظر الْعَظِيم وَيَقْضِي لَهُ ﷺ بالترجيح والتقديم وَذَلِكَ لما صدر عَن قَول هِرقل وَهُوَ أحد عُلَمَاء أهل الْكتاب بعد فحصه ولبثه وَكَثْرَة تقصيه عَن أَحْوَال
[ ٢ / ٩١ ]
النَّبِي ﷺ وبحثه مَعَ سداد نظره وجودة فكره وَقَوله لأبي سُفْيَان إِن يكن مَا تَقول حَقًا فَإِنَّهُ نَبِي وَقَوله وَقد كنت أعلم أَنه خَارج وَلم أكن أَظُنهُ مِنْكُم وَقَوله وَلَو أَنِّي أعلم أَن أخْلص إِلَيْهِ لأحببت لقاءه وَقَوله وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ فَفِي مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ غَايَة الْمُبَالغَة فِي التَّعْظِيم وَنِهَايَة الإجلال والتكريم أَن هِرقل من أوفر أهل الْكتاب عقلا وأرجحهم علما وفضلا فلولا مَا علمه من تحقق نبوة مُحَمَّد ﷺ وظهوره واطلع عَلَيْهِ من خَفِي علمه ومستوره لما أرشد إِلَى أَتْبَاعه وَلَا سارع إِلَى قبُول كِتَابه واستماعه ولفعل كَمَا فعل كسْرَى لما ورد عَلَيْهِ كِتَابه ﷺ يَدعُوهُ إِلَى الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فَأَعْرض عَن قبُوله ومزقه وَمَا أقبل عَلَيْهِ وَلَا صدقه لجهله وَعدم مَعْرفَته بِمَا أنزل الله تَعَالَى فِي كتبه من الْإِعْلَام بنبوته ﷺ وَلِأَن قومه مجوس يعْبدُونَ النَّار وَلم يكن لَهُم علم بِأُمُور الْأَنْبِيَاء صلوَات الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ثمَّ إِن هَذَا الِاعْتِرَاف من هِرقل والخضوع لَهُ ﷺ مَعَ كَثْرَة أَتْبَاعه وَجُنُوده وبسطته فِي الأَرْض واقتداره وتمكنه من الرِّجَال وَالْمَال القاضيين لَهُ ببلوغ الأوطار والآمال وَالنَّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابه إِذْ ذَاك قَلِيل عَددهمْ يسير مددهم لَا يخطرون لأحد من الْمُلُوك ببال وَلَا يَمرونَ لَهُ على خيال لما كَانُوا عَلَيْهِ من الْفقر الْغَالِب والقل
[ ٢ / ٩٢ ]
المصاحب فانقياد هِرقل إِلَيْهِ مَعَ هَذِه الْحَال واعترافه بنبوته وإيثاره للغاية ومبالغته فِي كرامته دَلِيل على اطِّلَاعه على مَا صرح بِهِ وأظهره بعد إخفائه وَنشر من نبوة مُحَمَّد ﷺ وَشرف وكرم وَبِذَلِك وَقع التَّعْرِيف فِي كتاب الله الْمجِيد الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزكوة وَالَّذين هم بآيتنا يُؤمنُونَ الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينههم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطيبت وَيحرم عَلَيْهِم الخبئث وَيَضَع عَنْهُم اصرهم والأغلل الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون