قَالَ ابْن عبد الحكم ثمَّ إِن أَبَا بكر الصّديق ﵁
[ ٢ / ١١٧ ]
بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ بعث حَاطِب بن أبي بلتعة أَيْضا إِلَى الْمُقَوْقس فَصَالحهُمْ فَمر على نَاحيَة قرى الشرقية فهادنهم وَأَعْطوهُ فَلم يزَالُوا على ذَلِك حَتَّى دَخلهَا عَمْرو بن الْعَاصِ فقاتلوه فَانْتقضَ ذَلِك الْعَهْد وَالصُّلْح قَالَ وَهِي أول هدنة كَانَت بِمصْر وَذَلِكَ سنة عشْرين فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ وَاسم أبي بلتعة عَمْرو ابْن حَاطِب لخمي وَفِي ذَلِك يَقُول حسان بن ثَابت فِي أَبْيَات ذكر فِيهَا رسل رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُلُوك
(قل لرسل النَّبِي صَاح إِلَى النَّاس شُجَاع ودحية بن خليفه)
(ولعمرو وحاطب وسليط ولعمرو وَذَاكَ رَأس الصحيفه)
الأول عَمْرو بن الْعَاصِ وَالثَّانِي عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي لِأَنَّهُ كَانَ أول رسله كَمَا تقدم عِنْد ذكر النَّجَاشِيّ فَلذَلِك وَالله أعلم قَالَ حسان وَذَاكَ رَأس الصَّحِيفَة
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الوفا أَنه لما وصل كتاب رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُقَوْقس مَعَ حَاطِب وَكتب فِي جَوَابه قد كنت علمت أَن نَبيا قد بَقِي وَقد أكرمت رَسُولك وَأهْدى أليه أَربع جوَار مِنْهَا مَارِيَة وَحِمَارًا يُقَال لَهُ عفير وَبغلة يُقَال لَهُ الدلْدل وَلم يسلم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ضن الْخَبيث بِملكه وَلَا بَقَاء لملك فَقبل رَسُول الله ﷺ هديته وَاصْطفى مَارِيَة لنَفسِهِ فَأَتَت بإبراهيم ونفق الْحمار مُنْصَرفه من
[ ٢ / ١١٨ ]
حجَّة الْوَدَاع وَبقيت البغلة إِلَى زمَان مُعَاوِيَة وَكَانَت بَيْضَاء وَلم يكن يَوْمئِذٍ فِي الْعَرَب غَيرهَا يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ تَأمل رَحِمك الله قَوْله ﷺ وَلَا بَقَاء لملك بِخِلَاف مَا قَالَ لهرقل ثَبت ملكه وَإِن لَهُ مُدَّة فَلذَلِك لم يقم للقبط ملك بعد الْمُقَوْقس وَإِلَى زَمَاننَا هَذَا إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ دَعَا لَهُم وَأوصى عَلَيْهِم كَمَا يَأْتِي ذكره فِي هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن غَرِيب مَا أرويه فِي هَذَا الْمَعْنى وشاهدته عيَانًا أَنه توزر فِي أَيَّام السُّلْطَان حسن بن مُحَمَّد بن قلاوون إِنْسَان من القبط يُسمى بِابْن زنبور وَكَانَ قد تمكن تمَكنا عَظِيما فِي مملكة مصر فرأيته يَوْمًا وَقد ركب فِي الْمحمل وَهُوَ فِي هَيْئَة ضخمة على هَيْئَة ركُوب الْمُلُوك ومناد يُنَادي بَين يَدَيْهِ شاباش يَا ملك الْعَصْر وَالزَّمَان فَمَا مر إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى أَخذ وَنكل بِهِ أعظم النكال إِلَى أَن مَاتَ فَعمِلت أَن ذَلِك من معنى قَوْله ﷺ وَلَا بَقَاء لملك يَعْنِي فِي القبط كَمَا أَن الْفرس لَا يكون فيهم ملك كَمَا أخبر ﷺ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾
قَوْله شاباش هَذِه لَفْظَة تقال أَمَام مُلُوك مصر فِي زمننا عِنْد
[ ٢ / ١١٩ ]
ركوبهم وَلها اشتقاق من اللُّغَة قَالَ الْجَوْهَرِي أشبيت الرجل رفعته وأكرمته وأشبت الشَّجَرَة ارْتَفَعت وأشبى الرجل أَي ولد لَهُ ولد ذكي وأشبى فلَانا وَلَده أَي أشبهوه فَكَأَن الْقَائِل أَرَادَ رفْعَة الْملك وإكرامه