وروى الْوَاقِدِيّ بِسَنَدِهِ عَن حميد الطَّوِيل يرفعهُ إِلَى ابْن إِسْحَاق قَالَ لما هَاجر رَسُول الله ﷺ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة كتب إِلَى مُلُوك الأَرْض وَفِي جملَة من كتب إِلَى الْمُقَوْقس ملك مصر والإسكندرية وَكَانَ الَّذِي كتبه أَبُو بكر ﵁ ونسخته
[ ٢ / ١٢٣ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى صَاحب مصر أما بعد فَإِن الله أَرْسلنِي رَسُولا وَأنزل عَليّ قُرْآنًا وَأَمرَنِي بالإعذار والإنذار ومقاتلة الْكفَّار حَتَّى يدينوا بديني وَيدخل النَّاس فِي ملتي وَقد دعوتك إِلَى الْإِقْرَار بوحدانيته فَإِن فعلت سعدت وَإِن أَنْت أَبيت شقيت وَالسَّلَام
ثمَّ طوى الْكتاب وختمه بِخَاتمِهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس أَيّكُم ينْطَلق بكتابي هَذَا إِلَى صَاحب مصر وأجره على الله قَالَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ حَاطِب بن أبي بلتعة الْقرشِي وَقَالَ أَنا يَا رَسُول الله قَالَ بَارك الله فِيك يَا حَاطِب
قَالَ فَأخذت الْكتاب وودعته وسرت إِلَى منزلي وشددت على رَاحِلَتي وودعت أَهلِي واستقمت على طَرِيق جادة مصر
[ ٢ / ١٢٤ ]
فَلَمَّا بَعدت عَن الْمَدِينَة بِثَلَاثَة أَيَّام أشرفت على مَاء لبني بدر فَأَرَدْت أَن أورد نَاقَتي المَاء وَإِذا أَنا برجلَيْن راكبين على ناقتين ومعهما رجل على جواد أدهم فَلَمَّا رَأَيْتهمْ وقفت وَإِذا بالفارس قد لَحِقَنِي وَقَالَ لي من أَيْن أَقبلت وَإِلَى أَيْن تُرِيدُ فَقلت يَا هَذَا لَا تسْأَل عَمَّا لَا يَعْنِيك فَتَقَع فِيمَا يخزيك ويرديك أَنا عَابِر سَبِيل وسالك طَرِيق قَالَ مَا إياك أردنَا وَلَا نَحْوك قصدنا نَحن قوم لنا دم وثأر عِنْد مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ وَقد جِئْت أَنا وَهَذَانِ الرّجلَانِ وَقد تحالفنا أَن لَا نَبْرَح حَتَّى نأتيه على غَفلَة فَلَعَلَّنَا نجد مِنْهُ غرَّة فنقتله قَالَ حَاطِب فِي نَفسه وَالله لَئِن مكنني الله مِنْهُم لأجعلن جهادي فيهم وَلَيْسَ لي إِلَّا الخديعة وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْحَرْب خدعة فَبَيْنَمَا
[ ٢ / ١٢٥ ]
أَنا أخاطبه وَإِذا بالراكبين على الناقتين قد قصداني وَقَالا لي بفظاظة وغلاظة لَعَلَّك من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَقلت لَهما لقد كَادَت تضل بكما الطَّرِيق عَن سَبِيل التَّحْقِيق وَإِنِّي رجل مثلكما أطلب مَا تطلبان وَإِنِّي قَاصد يثرب وَقد عولت على صحبتكم لأَكُون مَعكُمْ وَلَكِن قد سَمِعت فِي طريقي هَذِه مِمَّن أَثِق بِهِ أَن مُحَمَّدًا وَجه رجلا من أَصْحَابه إِلَى مصر بِكِتَاب وَلَعَلَّه فِي هَذَا الْوَادي مكمنا أَشرت إِلَى وَاد بالبعد مني يُقَال لَهُ وَادي الْأَرَاك وَكَثِيرًا مَا كنت فِيهِ وَلَكِن أرْسلُوا معي أثبتكم جنَانًا وأحدكم سِنَانًا حَتَّى نكشف هَذَا الْوَادي فَإِن وقعنا بِهِ قَتَلْنَاهُ قَالَ لي صَاحب الْفرس أَنا أَسِير مَعَك ثمَّ تقدم أَمَامِي وَترك صَاحِبيهِ واقفين قَالَ حَاطِب فَلَمَّا بَعدت بِهِ عَن صَاحِبيهِ وغبنا عَنْهُمَا الْتفت إِلَيْهِ وَقلت لَهُ مَا اسْمك قَالَ اسْمِي سلاب بن عَاصِم
[ ٢ / ١٢٦ ]
الْهَمدَانِي فَقلت لَهُ يَا سلاب أعلم أَنه لَا يقدر يدْخل يثرب إِلَّا من لَهُ حَال وَعزة وقلب لِأَن بهَا سَادَات الأَرْض من أبطال الْعَرَب مثل عمر وعَلى وَفُلَان وَفُلَان وَلَكِن كَيفَ سَيْفك قَالَ سيف مَاض قلت أَرِنِي إِيَّاه قَالَ فاستله من غمده وَسلمهُ إِلَى فَأخذت السَّيْف من يَده وهززته وَقلت لَهُ هَذَا سيف مَاض وَلَكِن
(سيوف حداد يَا لؤَي بن غَالب مَوَاطِن وَلَكِن أَيْن بِالسَّيْفِ ضَارب) قَالَ مَا معنى هَذَا الْكَلَام فَقلت لَهُ يَا بن عَاصِم إِن سَيْفك هَذَا من ضرب قوم عَاد من ولد شَدَّاد وَمَا ملكت الْعَرَب مثله وَلَكِن وَجب عَليّ إكرامك وَأُرِيد التَّقَرُّب إِلَيْك بحيلة أعلمك إِيَّاهَا فَتقْتل
[ ٢ / ١٢٧ ]
بهَا عَدوك قَالَ بِذِمَّة الْعَرَب أَلا فعلت قَالَ حَاطِب إِذا كنت فِي مقَام الْحَرْب والقتال وخصمك بَين يَديك وتريد قَتله اهزز هَذَا السَّيْف حَتَّى يَهْتَز وتنتبه مضاربه وَاضْرِبْ بِهِ عَدوك على حرف فَإِنَّهُ أسْرع للْقطع ثمَّ ملت بِالسَّيْفِ على عُنُقه وَإِذا بِرَأْسِهِ طَائِر فَنزلت إِلَيْهِ وَأَمْسَكت جَوَاده لِئَلَّا ينفر فينذر عَليّ فتركته مربوطا إِلَى شَجَرَة ثمَّ أسرعت إِلَى صَاحِبيهِ وَإِذا هما ينتظراني فَلَمَّا رأياني أقبل أَحدهمَا وَقَالَ وَمَا وَرَاءَك وَأَيْنَ سلاب فَقلت أبشر بِأخذ الثار وكشف الْعَار من أَعْدَائِنَا وجدنَا رجلَيْنِ من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وهما نائمان وَقد وجهني صاحبكما إلَيْكُمَا ليسير معي أَحَدكُمَا حَتَّى نتمكن مِنْهُمَا وَيبقى أَحَدكُمَا
[ ٢ / ١٢٨ ]
ديدبانا فَإِن هَذَا الْوَادي لَا يَخْلُو سَاعَة من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَقَالَا نعم الرَّأْي وَسَار معي الثَّانِي فَلَمَّا غيبته عَن صَاحبه قلت لَهُ مَا أسمك قَالَ اسْمِي عبد اللات بن غويلم قلت لَهُ كن رجلا وَإِيَّاك وَالْخَوْف وَإِذا رَأَيْتنَا قد هجمنا على هذَيْن الرجلَيْن فأيقظ خاطرك وَنبهَ سَيْفك ثمَّ نظرت يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ مَا بك فَقلت إِنِّي أرى غبرة وَلَا شكّ أَن تحتهَا قوما من الصباة إِلَى دين مُحَمَّد ﷺ قَالَ حَاطِب فَجعل يتَأَمَّل كالواله الحيران فعاجلته بضربة على غَفلَة فألقيت بِرَأْسِهِ إِلَى الأَرْض ثمَّ عدت إِلَى الثَّالِث فَلَمَّا رَآنِي وحيدا أَيقَن بِالشَّرِّ فقارعني وقارعته وصادمني وصادمته إِلَّا أَن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَقتلته وَأخذت الراحلتين وَالْفرس وَتركت الْكل عِنْد رجل من آل عبد شمس كَانَ خدنا لي من زمَان الْجَاهِلِيَّة
ثمَّ تَوَجَّهت أُرِيد مصر وَلم أزل حَتَّى أتيت مصر فَلَمَّا رَآنِي
[ ٢ / ١٢٩ ]
القبط قَالُوا من أَيْن جِئْت فَقلت أَنا رَسُول لصاحبكم قَالُوا مِمَّن قلت من عِنْد رَسُول الله مُحَمَّد ﷺ فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك مني أحاطوا بِي من كل مَكَان وَأتوا بِي إِلَى قصر الشمع ووقفوني على بَاب قصر الْملك وَاسْتَأْذَنُوا على الْمُقَوْقس فَأمر بإحضاري بَين يَدَيْهِ قَالَ فَنزلت عَن الرَّاحِلَة وسارت الْحجاب بَين يَدي إِلَى أَن وجدت الْملك فِي قبَّة قد ترجرج الْجَوْهَر فِي حافاتها ولمع الْيَاقُوت من أَرْكَانهَا والحجاب بَين يَدَيْهِ فأومأت بِتَحِيَّة الْإِسْلَام وَجَلَست حَيْثُ أَخَذَنِي الْمَكَان فَقَالَ صَاحبه يَا أَخا الْعَرَب أَيْن كتاب صَاحبك قَالَ فَسلمت الْكتاب إِلَى الْملك من يَدي إِلَى يَده فَأَخذه مني بِقبُول وباسه وَمر بِهِ على عَيْنَيْهِ وَقَالَ مرْحَبًا بِكِتَاب النَّبِي الْعَرَبِيّ ثمَّ سلمه إِلَى وزيره الياحيش وَقَالَ اقرأه
[ ٢ / ١٣٠ ]
عَليّ فَإِنَّهُ من عِنْد رجل كريم فقرأه عَلَيْهِ الْوَزير إِلَى أَن أَتَى على آخِره فَقَالَ الْملك لِخَادِمِهِ الْكَبِير هَات السفط الَّذِي سلمته إِلَيْك فَأتى بِهِ الْخَادِم فَأَخذه الْملك وفتحه بَين يَدَيْهِ فَإِذا فِي النمط صفة آدم والأنبياء ﵈ وَفِي آخِرهم صفة رَسُول الله ﷺ قَالَ الْملك لوزيره قل لهَذَا البدوي يصف لنا صَاحبه حَتَّى كَأَنِّي أرَاهُ فَقَالَ الْوَزير إِن الْملك يَقُول كَذَا وَكَذَا قَالَ حَاطِب من يقدر يصف عضوا من أَعْضَائِهِ فَقَالَ لَا بُد لَك أَن تجيب سُؤال الْملك قَالَ حَاطِب فَقُمْت قَائِما على قدمي وَقلت إِن صَاحِبي وسيم قسيم صَادِق اللهجة وَاضح الْجَبْهَة معتدل الْقَامَة بعيد من الذمامة بَين مَنْكِبَيْه شامة هِيَ لَهُ عَلامَة كَالْقَمَرِ إِذا بدر صَاحب خشوع وديانة وعفة وصيانة أَشمّ الْعرنِين وَاضح الجبين
[ ٢ / ١٣١ ]
سهل الْخَدين رَقِيق الشفتين براق الثنايا بِعَيْنيهِ دعجٌ وبحاجبيه زجج وبأسنانه فلج وأنف غير ذِي عوج وَصدر يترجرج وبطن كطي الثَّوْب المدبج ولسن فصيح وَخلق مليح فَلَمَّا سمع الْملك ذَلِك قَالَ صدقت وَالله يَا عَرَبِيّ هَكَذَا صفته فَبينا هُوَ يخاطبني إِذْ نصبت الموائد وَجِيء بِالطَّعَامِ فَأمرنِي الْملك أَن أتقدم فامتنعت من ذَلِك فَتَبَسَّمَ وَقَالَ قد علمت مَا أحل لكم وَمَا حرم عَلَيْكُم وَلم أقدم لَك إِلَّا من لحم الطير فَقلت إِنِّي لَا آكل فِي هَذِه الصحاف الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن الله قد وعدنا أَن نَأْكُل فِيهَا فِي الْجنَّة قَالَ فبدل طَعَامي بِطَعَام فِي صحاف الفخار فَأَقْبَلت آكل فَقَالَ أَي الطَّعَام أحب إِلَى صَاحبك فَقلت الدُّبَّاء أَعنِي القرع فَإِذا كَانَ عندنَا مِنْهُ شَيْء آثرناه بِهِ قَالَ الْملك يَا عَرَبِيّ فِي أَي شَيْء كَانَ يشرب المَاء قلت فِي قَعْب من خشب قَالَ أَيُحِبُّ الْهَدِيَّة قلت نعم وَقد قَالَ لَو دعيت إِلَى كرَاع لَأَجَبْت وَلَو أهدي
[ ٢ / ١٣٢ ]
إِلَى ذِرَاع لقبلت قَالَ أفيأكل الصَّدَقَة قلت لَا فَقَالَ الْمُقَوْقس أيكتحل قلت نعم كَانَ كحله بالإثمد وَينظر فِي الْمرْآة ويرجل شعره وَلَا يُفَارق خمْسا فِي سفر كَانَ أَو حضر وَهِي الْمرْآة والمكحلة والمشط والمدرى والسواك قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي مشارقه وَقَوله مدري يحك بهَا رَأسه ويروي يرجل هِيَ مثل الْمشْط وَقَالَ الْجَوْهَرِي المدري الْقرن وَكَذَلِكَ المدراة وَرُبمَا تصلح بهَا الماشطة قُرُون النِّسَاء وَهِي شَيْء كالمسلة يكون مَعهَا يُقَال تدرت الْمَرْأَة أَي سرحت شعرهَا
قَالَ حَاطِب وَلَقَد رَأَيْته يتجمل لأَصْحَابه فضلا عَن تجمله لأَهله وَلَقَد قَالَ ذَات يَوْم لعَائِشَة ﵂ وَقد نظرت إِلَيْهِ وَهُوَ ينظر فِي ركوة فِيهَا مَاء وَهُوَ يُسَوِّي شعره فَقَالَت بِأبي وَأمي يَا رَسُول الله تنظر فِي الركوة وتسوي شعرك وَأَنت رَسُول الله وَخير خلقه فَقَالَ يَا عَائِشَة إِن الله تَعَالَى يحب من عَبده إِذا خرج لإخوانه أَن يتزين لَهُم ويتجمل فَقَالَ الْمُقَوْقس إِذا ركب فِي جَيش الْعَرَب مَا الَّذِي يحمل على رَأسه قَالَ راية سَوْدَاء ولواء أَبيض على اللِّوَاء مَكْتُوب
[ ٢ / ١٣٣ ]
لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وزادت عَائِشَة أَن الرَّايَة الَّتِي كَانَت لرَسُول الله ﷺ كَانَت مِرْطًا مرجلا تسمى الْعقَاب وَفِي رِوَايَة سماك بن حَرْب كَانَت راية رَسُول الله ﷺ تسمى الْعقَاب وَهِي مرط لعَائِشَة
فَقَالَ الْمُقَوْقس أَله عرش يجلس عَلَيْهِ قلت نعم رَأَيْت لَهُ كرسيا خيل إِلَيّ أَن قوائمه من حَدِيد وقبة من أَدَم تسع نَحوا من أَرْبَعِينَ رجلا قَالَ مَا الَّذِي يحب من الْخَيل قلت الْأَشْقَر الأرثم الأقرح المحجل فِي السَّبق وَقد تركت عِنْده فرسا يُقَال لَهُ المرتجز قَالَ فَلَمَّا سمع قَوْله انتخب لَهُ فرسا من خيل مصر الموصوفة وَأمر بِهِ فأسرج وألجم وأعده هَدِيَّة للنَّبِي ﷺ وَهُوَ فرسه الميمون وَحِمَارًا يُقَال لَهُ يَعْفُور وَبغلة يُقَال لَهَا
[ ٢ / ١٣٤ ]
الدلْدل وَجَارِيَة سَوْدَاء اسْمهَا بَرِيرَة وَجَارِيَة بَيْضَاء من أجمل بَنَات القبط اسْمهَا مَارِيَة وَغُلَامًا اسْمه مَحْبُوب وطيبا وعودا وندى ومسكا وعمائم وقباطي وَأمر وزيره أَن يكْتب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَكتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ من الْمُقَوْقس إِلَى مُحَمَّد ﷺ أما بعد فقد بَلغنِي كتابك وفهمته وَأَنت تَقول إِن الله أرسلك رَسُولا وفضلك تَفْضِيلًا وَأنزل عَلَيْك قُرْآنًا مُبينًا فشكفنا عَن خبرك فوجدناك أقرب دَاع دَعَا إِلَى الْحق وأصدق من تكلم بِالصّدقِ وَلَوْلَا أَنِّي ملكت ملكا عَظِيما لَكُنْت أول من آمن بك لعلمي أَنَّك خَاتم النَّبِيين وَإِمَام الْمُرْسلين وَالسَّلَام عَلَيْك مني إِلَى يَوْم الدّين
[ ٢ / ١٣٥ ]
قَالَ حَاطِب وَسلم إِلَيّ الْكتاب والهدية وَقبل بَين عَيْني وَقَالَ يَا هَذَا بِاللَّه قبل بَين عَيْني مُحَمَّد ﷺ عني وَبعث معي جَيْشًا وَلم تزل تسير إِلَى أَن دخلت إِلَى جَزِيرَة الْعَرَب وَوجدنَا قافلة من الشَّام تُرِيدُ الْمَدِينَة فَرددت أَصْحَاب الْملك وأتيت الْمَدِينَة قَالَ الْجَوْهَرِي وَأما جَزِيرَة الْعَرَب فَإِن أَبَا عُبَيْدَة يَقُول مَا بَين حفر أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى أقْصَى الْيمن فِي الطول وَفِي الْعرض مَا بَين رمل يبرين إِلَى مُنْقَطع السماوة قَالَ الْبكْرِيّ يبرين وَيُقَال يبرون رمل مَعْرُوف فِي ديار بني سعد بن تَمِيم قَالَ وحفر أبي مُوسَى بَين فلج وفليج على خمس مراحل من الْبَصْرَة وفلج بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه بعده جِيم وفليج تَصْغِير فلج مَوضِع دَان مِنْهُ
قَالَ حَاطِب وقصدت الْمَسْجِد وأنخت النَّاقة وَدخلت وسلمت على رَسُول الله ﷺ وانشأت أَقُول
[ ٢ / ١٣٦ ]
(أنعم صباحا يَا وَسِيلَة أمة ترجو النجَاة غَدَاة يَوْم الْموقف)
(إِنِّي مضيت إِلَى الَّذِي أرسلتني أطوى المهامه كالمجد المعنف)
(حَتَّى أتيت بِمصْر صَاحب ملكهم فَبَدَا إِلَيّ بِمثل قَول الْمنصف)
(فَقَرَأَ كتابك حِين فك ختامه فاهتز مِنْهُ كاهتزاز المرهف)
(قَالَ البطارقة الَّذين تجمعُوا مَاذَا أراعك من كتاب المشرف)
(قَالَ اسْكُتُوا يَا وَيْلكُمْ وتثبتوا هَذَا كتاب نَبِي دين الْمُصحف)
[ ٢ / ١٣٧ ]
(قَالُوا وهمت فَقَالَ لست بواهم بل قد قَرَأت بَيَان خطّ الأحرف)
(فِي كل سطر من كتاب مُحَمَّد نور يلوح لناظر مُتَوَقف)
(هَذَا الْكتاب كِتَابه لَك خاضعا يَا خير مَوْلُود بحقك نكتفي)
قَالَ حَاطِب وسلمت الْكتاب إِلَيْهِ فَقَالَ لعَلي اقرأه علينا فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ قَالَ النَّبِي ﷺ بَارك الله للقبط فِي دنياهم فقد عرفُوا الصَّوَاب وأوضحوا الْخطاب ثمَّ قَالَ كل ذِي روح خَاصَّة فَهُوَ لي فاختص بمارية وَجعل مهرهَا عتق رقبَتهَا فأولدها إِبْرَاهِيم ﵇ عَاشَ سنتَيْن أَو أقل فَلَمَّا مَاتَ كسفت الشَّمْس فَقَالَ الْمُسلمُونَ يَا رَسُول الله إِنَّمَا كسفت الشَّمْس لمَوْت ولدك
[ ٢ / ١٣٨ ]
إِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا يكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فافزعوا إِلَى الصَّلَاة ثمَّ أَخذ الْغُلَام وَالْجَارِيَة وَالْفرس وَالْحمار ثمَّ قسم بَاقِي الْهَدِيَّة على أَصْحَابه بِالسَّوِيَّةِ
قَالَ ابْن عبد الْبر وَقد ذكر الْمُقَوْقس ثمَّ أَمر بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ وَقَالَ الْأَغْلَب عِنْدِي أَنه لم يسلم بل هُوَ الصَّحِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ وَذكر الْوَاقِدِيّ أَن فِي سنة سبع من الْهِجْرَة كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُقَوْقس عَظِيم القبط يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الْمُقَوْقس الَّذِي كَانَ على خراج مصر وحربها حَتَّى افتتحها الْمُسلمُونَ اسْمه جريج بن ميناء
وروى الْوَاقِدِيّ عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ أَن الْمُقَوْقس كَانَ إِذا قدم شهر رَمَضَان لَا يخرج إِلَى رَعيته وَلَا يظْهر لأحد من أَرْبَاب دولته وَلَا يدْرِي مَا كَانَ يصنع وَأَن ابْنه أرسطوليس خشِي أَن يسلم أَبوهُ الْملك إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لما توجهوا لقتاله بِمصْر مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَيسلم فضمن للساقي مَالا وَأمره بقتل أَبِيه فَجعل
[ ٢ / ١٣٩ ]
سما فِي شراب الْملك وسقاه فَمَاتَ فَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ وَكَانَ للمقوقس أَخ من أَبِيه اسْمه أرجانوس إِذا غَابَ أَخُوهُ فِي شهر رَمَضَان يسير هُوَ إِلَى منف والعزيزية يُقيم هُنَاكَ حَتَّى يخرج أَخُوهُ من خلوته فَلَمَّا انْقَضى رَمَضَان رَجَعَ إِلَى أَخِيه وَعلم أَن ابْنه قَتله أَتَى إِلَى قصر أَخِيه وَمنع ابْن أَخِيه من الدُّخُول إِلَى الْقصر إِلَى أَن جَاءَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَصَالحهُمْ على مَا فِي قصر أَخِيه وَأسلم وَأسلم مَعَه جمَاعَة من قبط مصر
وروينا عَن السُّهيْلي أَن جبرا مولى أبي رهم الْغِفَارِيّ كَانَ رَسُولا مَعَ حَاطِب إِلَى الْمُقَوْقس وَأَنه قَارب الْإِسْلَام وَأهْدى مَعَهُمَا بغلة يُقَال لَهَا الدلْدل والدلدل فِي اللُّغَة الْقُنْفُذ الْعَظِيم ومارية بنت شَمْعُون والمارية بتَخْفِيف الْيَاء الْبَقَرَة الْفتية ذكره الْمُطَرز وَأما المارية بتَشْديد الْيَاء القطاة الملساء يُقَال قطاة مَارِيَة أَي ملساء قَالَه أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب وَيُقَال إِن هِرقل عزل الْمُقَوْقس لما رأى ميله إِلَى الْإِسْلَام وَمعنى الْمُقَوْقس المطول للْبِنَاء والقوس الصومعة الْعَالِيَة قَالَ الْجَوْهَرِي صومعة الراهب قَالَ السُّهيْلي يُقَال
[ ٢ / ١٤٠ ]
فِي الْمثل أَنا بِالْقَوْسِ وَأَنت بالقرقوس فَمَتَى نَجْتَمِع قَالَ ابْن فَارس القرقوس قاع أملس