قَالَ ابْن إِسْحَاق لما دخل رَسُول الله ﷺ عَام الْفَتْح مَكَّة وَدخل
[ ١ / ٣١ ]
الْمَسْجِد أَتَى أَبُو بكر بِأَبِيهِ يَقُودهُ وَكَانَ قد كف بَصَره فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله ﷺ قَالَ هلا تركت الشَّيْخ فِي بَيته حَتَّى أكون أَنا آتيه فِيهِ قَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله هُوَ أَحَق أَن يمشي إِلَيْك من أَن تمشي إِلَيْهِ أَنْت فأجلسه بَين يَدَيْهِ ثمَّ مسح صَدره ثمَّ قَالَ لَهُ أسلم فَأسلم
قَالَ عبد الْكَرِيم وَأمه يَعْنِي أَبَا بكر أم الْخَيْر سلمى
قَالَ مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي قلت لِابْنِ دَاب من أم أبي بكر فَقَالَ أم الْخَيْر هَذَا اسْمهَا وَهِي ابْنة عَم أبي بكر وَأمّهَا من خُزَاعَة
وَعَن عَائِشَة أَن أَبَا بكر قَالَ يَا رَسُول الله هَذِه أُمِّي وَأَنت مبارك فَادع الله لَهَا وادعها إِلَى الْإِسْلَام فَدَعَا لَهَا رَسُول الله ﷺ فَأسْلمت
وَكَانَ إسْلَامهَا قَدِيما مَعَ ابْنهَا أبي بكر وَتوفيت بعد أبي بكر وَقبل أبي قُحَافَة زَوجهَا وَكِلَاهُمَا ورثا أَبَا بكر وَمَاتَا بعده
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ أسلمت أم أبي بكر وَأم عُثْمَان وَأم طَلْحَة وَأم الزبير وَأم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَدِيما مَعَ إِسْلَام أبي بكر ﵃
ولي أَبُو بكر الْخلَافَة بعد رَسُول الله ﷺ سنتَيْن وَنصف على خلاف فِي ذَلِك عَاشَ ﵁ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة سنّ رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٣٢ ]
قَالَ عبد الْكَرِيم ذكر ابْن شهَاب أَن أَبَا بكر والْحَارث بن كلدة كَانَا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر فَقَالَت الْحَارِث وَكَانَ طَبِيبا ارْفَعْ يدك يَا خَليفَة رَسُول الله وَالله إِن فِيهَا لسم سنة وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد فَرفع يَده فَلم يَزَالَا عليلين حَتَّى مَاتَا فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْقِضَاء سنة
وَهُوَ أول خَليفَة وَرثهُ أَبَوَاهُ ﵁
وَذكر مُحَمَّد بن ظفر فِي كتاب خير الْبشر خبر الشَّيْخ الْأَزْدِيّ بِزِيَادَة فِيهِ فَقَالَ روى عبد الله بن مَسْعُود عَن أبي بكر الصّديق ﵄ أَنه قَالَ خرجت إِلَى الْيمن فِي تِجَارَة قبل مبعث النَّبِي ﷺ فَنزلت على شيخ من الأزد عَالم قد قَرَأَ الْكتب وحوى علما كثيرا وأتى عَلَيْهِ من السن ثَلَاثمِائَة وَتسْعُونَ سنة قَالَ فتأملني وَقَالَ أحسبك حرميا فَقلت نعم أَنا من أهل الْحرم قَالَ أحسبك تيميا قلت نعم أَنا من تيم بن مرّة أَنا عبد الله بن عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم قَالَ بقيت لي فِيك وَاحِدَة قلت مَا هِيَ قَالَ اكشف لي عَن بَطْنك قلت لَا أفعل أَو تُخبرنِي
[ ١ / ٣٣ ]
لم ذَاك قَالَ إِنِّي أجد فِي الْعلم الصَّحِيح الصَّادِق أَن نَبيا يبْعَث من الْحرم يعاونه على أمره فَتى وكهل أما الْفَتى فخواض غَمَرَات وكشاف معضلات وَأما الكهل فأبيض نحيف على بَطْنه شامة وعَلى فَخذه الْيُسْرَى عَلامَة فَلَا عَلَيْك أَن تريني مَا خَفِي عَليّ قَالَ فَكشفت لَهُ عَن بَطْني فَرَأى شامة سَوْدَاء فَوق سرتي فَقَالَ هُوَ أَنْت وَرب الْكَعْبَة وَإِنِّي مُتَقَدم إِلَيْك فِي أَمر فاحذره فَقلت وَمَا هُوَ فَقَالَ إياك والميل عَن الْهدى وَتمسك بالطريقة المثلى وخف الله فِيمَا أَعْطَاك وخولك
قَالَ أَبُو بكر ﵁ فَقضيت بِالْيمن أربي ثمَّ أتيت الشَّيْخ لأودعه فَقَالَ أحامل أَنْت مني أبياتا إِلَى ذَلِك النَّبِي فَقلت نعم فَأَنْشَأَ يَقُول
(ألم تَرَ أَنِّي قد سميت معاشري وَنَفْسِي وَقد أَصبَحت فِي الْحَيّ راهنا)
(حييت وَفِي الْأَيَّام للمرء عِبْرَة ثَلَاث مئين ثمَّ تسعين آمنا)
(وصاحبت أحبارا أناروا بعلمهم غياهب جهل مَا ترى فِيهِ طابنا)
(وَكم عفشليل رَاهِب فَوق قَائِم لقِيت وَمَا غادرت فِي الْبَحْث كَاهِنًا)
(فكلهمو لما تعطمست قَالَ لي بِأَن نَبيا سَوف تَلقاهُ دائنا)
[ ١ / ٣٤ ]
(بِمَكَّة والأوثان فِيهَا عزيزة فيركسها حَتَّى ترَاهَا كوامنا)
(فَمَا زلت أَدْعُو الله فِي كل حَاضر حللت بِهِ سرا وجهرا معالنا)
(وَقد خمدت مني شرارة قوتي وألفيت شَيخا لَا أُطِيق الشواجنا)
(وَأَنت وَرب الْبَيْت تلقى مُحَمَّدًا بعامك هَذَا قد أَقَامَ البراهنا)
(فيا لَيْتَني أَدْرَكته فِي شبيبتي فَكنت لَهُ عبدا وَإِلَّا العجاهنا)
(عَلَيْهِ سَلام الله مَا ذَر شارق فألق هفافا من النُّور هافنا)
(فحي رَسُول الله عني فانني على دينه أحيى وَإِن كنت واهنا)
(وَمَا نسجت بالجلهتين وشيحة وَمَا خلد الطود المتالع عادنا)
قَالَ أَبُو بكر ﵁ فَحفِظت وَصيته وشعره وقدمت مَكَّة فَجَاءَنِي شيبَة وَأَبُو جهل بن هِشَام وَأَبُو البخْترِي وَعقبَة بن أبي معيط وَرِجَال من قُرَيْش يسلمُونَ عَليّ فَقلت هَل حدث أَمر قَالُوا
[ ١ / ٣٥ ]
حدث أعظم الخطوب هَذَا مُحَمَّد بن عبد الله يزْعم أَنه نَبِي أرْسلهُ الله إِلَى النَّاس وَلَوْلَا أَنْت مَا انتظرنا بِهِ فاذ جِئْت فَأَنت البغية النهية قَالَ فأظهرت تَعَجبا وصرفتهم فِي حس مس وَذَهَبت أسأَل عَن رَسُول الله ﷺ فَقيل لي هُوَ فِي منزل خَدِيجَة فقرعت الْبَاب عَلَيْهِ فَخرج إِلَيّ عر فَقلت يَا مُحَمَّد فقدت فِي نَادِي قَوْمك واتهموك بالغيبة وَتركت دين آبَائِك قَالَ يَا أَبَا بكر إِنِّي رَسُول الله إِلَيْك وَإِلَى النَّاس كلهم فَآمن بِاللَّه قلت وَمَا آيتك قَالَ الشَّيْخ الَّذِي لَقيته بِالْيمن فَقلت وَكم من شيخ لقِيت وبعت مِنْهُ وشريت وَأخذت وَأعْطيت قَالَ الشَّيْخ الَّذِي أخْبرك عني وأفادك الأبيات قلت وَمن أخْبرك بِهَذَا يَا حَبِيبِي قَالَ الْملك الْعَظِيم الَّذِي كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاء قبلي قلت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله
قَالَ أَبُو بكر وانصرفت وَمَا أجد أَشد سُرُورًا من رَسُول الله ﷺ بِإِسْلَامِي قَالَ ابْن ظفر فَهَذَا أيدك الله نمط عُجاب زاخر الْعباب وَقد أتحفتكم مِنْهُ بلباب هَذَا الْبَاب وَالله المسدد للصَّوَاب