روينَا فِي صَحِيح مُسلم من كتاب الْفَضَائِل قَالَ بَاب فِي ذكر مصر وَأَهْلهَا عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم ستفتحون مصر وَهِي أَرض يُسمى فِيهَا القيراط فَإِذا فتحتموها فَأحْسنُوا إِلَى أَهلهَا فَإِن لَهُم ذمَّة ورحما أَو قَالَ ذمَّة وصهرا فَإِذا رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان فِيهَا فِي مَوضِع لبنة فَاخْرُج مِنْهَا قَالَ فَرَأَيْت عبد الرَّحْمَن بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة وأخاه ربيعَة يختصمان فِي مَوضِع لبنة فَخرجت مِنْهَا هَذَا لفظ مُسلم قَالَ شرَّاح مُسلم فِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاثَة أَعْلَام من أَعْلَام نبوته ﷺ قد وجدت جَمِيعهَا أَحدهَا فتح مصر وَالثَّانِي إِعْطَاء أَهلهَا الْعَهْد ودخولهم فِي الذِّمَّة فَإِنَّهَا فتحت
[ ٢ / ١٤١ ]
صلحا فِي أَيَّام عمر ﵁ وَالثَّالِث قَوْله ﷺ فَإِذا رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان فِي مَوضِع لبنة فَاخْرُج مِنْهَا فَكَانَ ذَلِك وَأما الصهر فَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ عِنْد ذكر مَارِيَة ﵂ وَأما الرَّحِم فروينا فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة عَن ابْن هِشَام بِسَنَدِهِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا افتتحتم مصر فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خيرا فَإِن لَهُم ذمَّة ورحما قَالَ ابْن إِسْحَاق فَقلت لمُحَمد بن مُسلم الزُّهْرِيّ مَا الرَّحِم الَّتِي ذكر رَسُول الله ﷺ لَهُم قَالَ كَانَت هَاجر أم إِسْمَاعِيل مِنْهُم قَالَ ابْن هِشَام فالعرب كلهَا من ولد إِسْمَاعِيل وقحطان وَتقول الْعَرَب هَاجر وآجر كَمَا قَالُوا هراق المَاء وأراقه وَهَاجَر من أهل مصر من أم الْعَرَب قَرْيَة أَمَام الفرما وروينا فِي فتوح مصر لِابْنِ عبد الحكم ان قَرْيَة هَاجر ياق الَّتِي عِنْد أم دنين ودفنت هَاجر فِي الْحجر يَعْنِي حجر إِسْمَاعِيل ﵇ قَالَ وصاهر إِلَى القبط من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم ثَلَاثَة إِبْرَاهِيم ﵇ تسرر هَاجر ويوسف ﵇ تزوج بنت صَاحب عين شمس
[ ٢ / ١٤٢ ]
الَّتِي تسمى فِي وقتنا هَذَا المطرية وَرَسُول الله ﷺ تسرر مَارِيَة قَالَ وَإِن رَسُول الله ﷺ مرض فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَقَالَ اسْتَوْصُوا بِالْأدمِ الْجَعْد ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ الثَّانِيَة ثمَّ أَفَاق فَقَالَ مثل ذَلِك قَالَ ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ الثَّالِثَة فَقَالَ مثل ذَلِك فَقَالَ الْقَوْم لَو سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ من الْأدم الْجَعْد فأفاق فَسَأَلُوهُ فَقَالَ قبط مصر فَإِنَّهُم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عَدوكُمْ وأعوانكم على دينكُمْ قَالُوا كَيفَ يكونُونَ أعواننا على ديننَا يَا رَسُول الله قَالَ يكفونكم أَعمال الدُّنْيَا وتتفرغون لِلْعِبَادَةِ فالراضي بِمَا يُؤْتى إِلَيْهِم كالفاعل والكاره بِمَا يُؤْتى إِلَيْهِم من الظُّلم كالمتنزه عَنْهُم
وَعنهُ قَالَ قبط مصر أكْرم الْأَعَاجِم كلهَا وأسمحهم يدا وأفضلهم عنصرا وأقربهم رحما بالعرب عَامَّة وبقريش خَاصَّة وَمن أَرَادَ أَن ينظر الفردوس أَن ينظر إِلَى مثلهَا فِي الدُّنْيَا فَلْينْظر إِلَى أَرض مصر حِين تخضر زروعها وتنور ثمارها قَالَ وَعَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى شبه الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى أَرض مصر إِذا
[ ٢ / ١٤٣ ]
أخرفت أَو إِذا أزهرت قَالَ وَكَانَ مِنْهُم السَّحَرَة آمنُوا جَمِيعًا فِي سَاعَة وَاحِدَة وَلَا نعلم جمَاعَة أَسْلمُوا فِي سَاعَة وَاحِدَة أَكثر من جمَاعَة القبط قَالَ وَكَانُوا اثْنَي عشر ساحرا رُؤَسَاء وَتَحْت يَدي كل سَاحر مِنْهُم عشرُون عريفا تَحت يَدي كل عريف ألف من السَّحَرَة فَكَانَ جَمِيع السَّحَرَة مِائَتي ألف وَأَرْبَعين ألفا وَمِائَتَيْنِ واثنين وَخمسين إنْسَانا بالرؤساء والعرفاء فَلَمَّا عاينوا مَا عاينوا أيقنوا أَن ذَلِك من السَّمَاء وَأَن السحر لَا يقوم لأمر الله فَخر الرؤساء الاثْنَي عشر عِنْد ذَلِك سجدا فاتبعهم العرفاء وَاتبع العرفاء من بَقِي وَقَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون وَلم يفتتن مِنْهُم أحد مَعَ من افْتتن من بني إِسْرَائِيل فِي عبَادَة الْعجل قَالَ وَمَا آمن جمَاعَة قطّ فِي سَاعَة وَاحِدَة مثل جمَاعَة القبط قَالَ يَعْنِي ابْن عبد الحكم وَعَن كَعْب الْأَحْبَار مثل قبط مصر كَمثل الغيضة كلما قطعت نَبتَت حَتَّى يخرب الله بهم وبصناعتهم جزائر الرّوم قَالَ وَكَانَ المَاء يجْرِي تَحت منَازِل مصر وأقنيتها فيحبسونه كَيفَ شاؤا ويرسلونه كَيفَ شاؤا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى فِيمَا حكى من قَول فِرْعَوْن ﴿أَلَيْسَ لي ملك مصر وَهَذِه الْأَنْهَار تجْرِي من تحتي أَفلا تبصرون﴾ وَلم يكن فِي
[ ٢ / ١٤٤ ]
الأَرْض يَوْمئِذٍ ملك أعظم من ملك مصر وَكَانَت الجنات بحافتي النّيل من أَوله إِلَى آخِره مَا بَين أسوان إِلَى رشيد وَكَانَ بهَا ألف مِنْبَر
قَالَ أَبُو الْخطاب ابْن ذِي النسبين فِي كتاب مرج الْبَحْرين إِن فِرْعَوْن بالقبطية هُوَ التمساح وَهُوَ فِي اللُّغَة الْكثير الْأكل والكذاب والمسرف والمرتاب فَجمعت هَذِه المثالب فِي فِرْعَوْن وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ مَا كَانَ طول فِرْعَوْن إِلَّا ذِرَاعا وَكَانَت لحيته أطول من قامته وروى ابْن عبد الحكم قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعيد البلوي قَالَ لما فتح عَمْرو بن الْعَاصِ الْإسْكَنْدَريَّة كتب إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ أما بعد فَإِنِّي فتحت مَدِينَة لَا أصف مَا فِيهَا غير أَنِّي أصبت فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف منية بأَرْبعَة آلَاف حمام وَأَرْبَعين ألف يَهُودِيّ عَلَيْهِم الْجِزْيَة واثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الْأَخْضَر ومائتي ألف من الرّوم سوى النِّسَاء وَالصبيان وَعدد
[ ٢ / ١٤٥ ]
المأسورين من الرِّجَال سِتّمائَة ألف سوى النِّسَاء وَالصبيان فَأَرَادَ الْمُسلمُونَ قسمتهم فَبعث عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى عمر يُعلمهُ بِمَا أَرَادَ الْمُسلمُونَ فَكتب إِلَيْهِ لَا تقسمهم وذرهم يكون خراجهم فَيْئا للْمُسلمين وَقُوَّة لَهُم على جِهَاد عدوهم فأقرها عَمْرو وأحصى أَهلهَا يَعْنِي الْإسْكَنْدَريَّة وَفرض عَلَيْهِم الْخراج والجزية فَكَانَت مصر كلهَا صلحا إِلَّا الْإسْكَنْدَريَّة فَإِنَّهُم كَانُوا يؤدون الْخراج والجزية لِأَنَّهَا فتحت عنْوَة
وَذكر الْحَافِظ السلَفِي فِي كتاب فَضَائِل مصر قَالَ فضل الله مصر على سَائِر الْبلدَانِ وَأَبَان فَضلهَا بآي من الْقُرْآن شهد لَهُ بذلك وَمَا خصها بِهِ من الْفضل وَالْخصب وَمَا أنزل فِيهَا من البركات وَمَا أخرج مِنْهَا من الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء وَالْخُلَفَاء والحكماء والخواص والملوك والعجائب مِمَّا لم يخص بِهِ بَلَدا غَيرهَا وَلَا أَرضًا سواهَا قَالَ فَإِن اعْترض معترض بالحرمين الشريفين ففضلهما لَا
[ ٢ / ١٤٦ ]
يدْفع وَمَا خصهما الله بِهِ مِمَّا لَا يُنكر وَلَيْسَ مَا فضلهما الله بِهِ بباخس فضل مصر وَأَن مَنَافِعهَا فِي الْحَرَمَيْنِ لبينة لِأَنَّهَا تميرهما بطعامها وكسوتها وَسَائِر مرافقها فلهَا بذلك فضل كَبِير وَمَعَ ذَلِك أَنَّهَا تطعم أهل الدُّنْيَا مِمَّن يرد إِلَيْهَا من الْحَاج طول مقامهم يَأْكُلُون ويتزودون من طعامها من أقْصَى جنوب الأَرْض وشمالها فِيمَا بَين بِلَاد الْهِنْد والأندلس لَا يُنكر هَذَا مُنكر وَلَا يَدْفَعهُ مدافع وَكفى بذلك فضلا وبركة فِي دين وَدُنْيا فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى وأخيه أَن تبوآ لقومكما بِمصْر بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبْلَة﴾ ﴿وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ قَالَ وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة وآوينهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين قَالَ بعض الْمُفَسّرين هِيَ مصر وَقيل دمشق وَقَالَ بعض عُلَمَاء مصر هِيَ البهنسا وقبط مصر مجمعون على أَن الْمَسِيح وَأمه ﵉ كَانَا بالبهنسا وانتقلا عَنْهَا إِلَى الْقُدس وافتخر فِرْعَوْن بقوله ﴿أَلَيْسَ لي ملك مصر﴾ على سَائِر الْمُلُوك وَقَوله ﷿ فاخرجنهم من جنت وعيون الْآيَة فَهَل يعلم أَن بَلَدا من الْبِلَاد أثنى عَلَيْهِ الْكتاب الْعَزِيز بِمثل هَذَا الثَّنَاء أَو وَصفه بِمثل هَذَا الْوَصْف أَو شهد
[ ٢ / ١٤٧ ]
بِالْكَرمِ غير مصر وَقد تقدم مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من فَضلهَا ودعائه لَهُم
وروى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ دَعَا نوح ربه لولد وَلَده مصر بن بيصر بن حام وَبِه سميت مصر وَهُوَ أَبُو القبط فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وَفِي ذُريَّته وَأَسْكَنَهُ الأَرْض الْمُبَارَكَة الَّتِي هِيَ أم الْبِلَاد وغوث الْعباد الَّتِي نهرها أفضل أَنهَار الدُّنْيَا وَاجعَل فِيهَا أفضل البركات وسخر لَهُ ولولده الأَرْض وذللها لَهُم وَرُوِيَ أَن الْبَيْت الْحَرَام هدم فِي الْجَاهِلِيَّة فَوَلَّتْ قُرَيْش بناءه رجلا من القبط يُقَال لَهُ ياقوم وأدركه الْإِسْلَام وَهُوَ على ذَلِك الْبناء وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مصر أطيب الْأَرْضين تُرَابا وعجمها أكْرم الْعَجم أنسابا وَقَالَ بعض أهل الْعلم لم يبْق من الْعَجم أمة إِلَّا وَقد اخْتلطت بغَيْرهَا إِلَّا قبط مصر وَأما مَا اخْتصّت بِهِ وأوثرت على غَيرهَا فروى أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ ﵁ قَالَ مصر خزانَة الأَرْض كلهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض إِنِّي حفيظ عليم﴾ وَلم تكن تِلْكَ الخزائن بِغَيْر مصر فَذكرهَا سُبْحَانَهُ بخزائن الأَرْض فأغاث الله بِمصْر وخزائنها كل حَاضر وباد فِي جَمِيع الْأَرْضين وَجعلهَا وسط الدُّنْيَا وَهِي فِي الإقليم الثَّالِث وَالرَّابِع
[ ٢ / ١٤٨ ]
فَسلمت من حر الإقليم الأول وَالثَّانِي وَمن برد الإقليم السَّادِس وَالْخَامِس فطاب هَواهَا وَضعف حرهَا وخف بردهَا فَسلم أَهلهَا من مشاتي الْجبَال ومصائف عمان وصواعق تهَامَة ودماميل الجزيرة وجرب الْيمن وطواعين الشَّام وَغَلَاء الْعرَاق وطحلب الْبَحْرين وأمنوا من غارات التّرْك وجيوش الرّوم وقحط الأمطار
قَالَ سعيد بن أبي هِلَال وَذكر أَن مصر مصورة فِي كتب الْأَوَائِل وَسَائِر المدن مَادَّة أيديها إِلَيْهَا تستطعمها وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ ولَايَة مصر جَامِعَة تعدل الْخلَافَة وَأجْمع أهل الْعلم والمعرفة أَن أهل الدُّنْيَا مضطرون إِلَى مصر يسافرون إِلَيْهَا وَيطْلبُونَ الرزق مِنْهَا وَذكر أهل الْعلم أَنه مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة بلد مصر خزانَة الله فَمن أرادها قصمه الله
قَالَ وَمِمَّا ذكر من عجائب مصر أَن مَدِينَة الفرما كَانَ مِنْهَا طَرِيق إِلَى جَزِيرَة قبرص فِي الْبر فغلب عَلَيْهِ الْبَحْر وَكَانَ فِيمَا غلب عَلَيْهِ الْبَحْر مقطع الرخام الْأَبْيَض والأبلق وَكَانَ بَينهَا وَبَين الْبَحْر قريب من يَوْم فعلا الْبَحْر إِلَى أَن قرب مِنْهَا وَوجه بعض الْعمَّال أَن يقْلع من بَابهَا الشَّرْقِي حِجَارَة يعْمل مِنْهَا جيرا فَخرج أهل الفرما فمنعوه من ذَلِك وَقَالُوا هَذِه الْأَبْوَاب الَّتِي قَالَ الله ﷿ على لِسَان يَعْقُوب ﴿وَقَالَ يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد وادخلوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة﴾
[ ٢ / ١٤٩ ]
وَبهَا النّخل العجيب الَّذِي يُثمر حِين يَنْقَطِع الْبُسْر وَالرّطب من سَائِر الأَرْض وَيكون طول البسرة مِنْهُ قريب فتر وَفِي هَذَا كِفَايَة لِئَلَّا يخرجنا عَن مَقْصُود الْكتاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٢ / ١٥٠ ]
بَاب فِي كِتَابه ﷺ إِلَى كسْرَى أبرويز ملك الْفرس وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْفَوَائِد
روينَا فِي السِّيرَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بن قيس إِلَى كسْرَى ابْن هُرْمُز ملك فَارس
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الوفا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بكتابه إِلَى عَظِيم الْبَحْرين يَدْفَعهُ إِلَى كسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ خرقه فَدَعَا عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ أَن يمزقوا كل ممزق
قَالَ السُّهيْلي أما كسْرَى فاسمه أبرويز بن هُرْمُز بن أنوشروان وَمعنى أبرويز المظفر وَهُوَ الَّذِي كَانَ غلب الرّوم فَأنْزل الله تَعَالَى
[ ٢ / ١٥١ ]
فِي قصتهم ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض﴾ وَأدنى الأَرْض هِيَ بصرى وفلسطين وَأَذْرعَات من أَرض الشَّام قَالَ فَلَمَّا قدم عبد الله على كسْرَى قَالَ يَا معشر الْفرس إِنَّكُم عشتم بأحلامكم لعدة أيامكم بِغَيْر نَبِي وَلَا كتاب ثمَّ قَالَ مُخَاطبا للْملك وَلَا تملك من الأَرْض إِلَّا مَا فِي يَديك وَمَا لَا تملك مِنْهَا أَكثر وَقد ملك الأَرْض قبلك مُلُوك أهل دنيا وَأهل آخِرَة فَأخذ أهل الْآخِرَة بحظهم من الدُّنْيَا وضيع أهل الدُّنْيَا حظهم من الْآخِرَة فَاخْتَلَفُوا فِي سعي الدُّنْيَا واستووا فِي عدل الْآخِرَة وَقد صغر هَذَا الْأَمر عنْدك إِنَّا أَتَيْنَاك بِهِ وَقد وَالله جَاءَك من حَيْثُ خفت وَمَا تصغيرك إِيَّاه بِالَّذِي يَدْفَعهُ عَنْك وَلَا تكذيبك بِهِ بِالَّذِي يخْرجك مِنْهُ وَفِي وقْعَة ذِي قار على ذَلِك دَلِيل فَأخذ الْكتاب فمزقه ثمَّ قَالَ لي ملك هنيء لَا أخْشَى أَن أغلب عَلَيْهِ وَلَا أشارك فِيهِ وَقد ملك فِرْعَوْن بني إِسْرَائِيل ولستم بِخَير مِنْهُم فَمَا يَمْنعنِي أَن أملككم وَأَنا خير مِنْهُ فَأَما هَذَا الْملك فقد علمنَا أَنه يصير إِلَى الْكلاب وَأَنْتُم أُولَئِكَ تشبع بطونكم وتأبى عيونكم فَأَما وقْعَة ذِي قار فَهِيَ بوقعة الشَّام فَانْصَرف عَنهُ عبد الله
قَوْله ذِي قار قَالَ الْجَوْهَرِي القارة الْقَبِيلَة سموا قارة لِاجْتِمَاعِهِمْ والتفافهم والقار الْإِبِل إِذا اجْتمعت وَكَانَ ذَلِك يَوْم ذِي قار يَوْم لبني شَيبَان وَكَانَ أبرويز أغزاهم جَيْشًا فظفرت بَنو
[ ٢ / ١٥٢ ]
شَيبَان وَهُوَ أول يَوْم انتصرت فِيهِ الْعَرَب من الْعَجم قَالَ الطَّبَرِيّ كَانَ شعارهم يَا مُحَمَّد فنصروا قَالَ رَسُول الله ﷺ فَبِي نصروا
قَالَ وَإِنَّمَا خص رَسُول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بارساله إِلَى كسْرَى لِأَنَّهُ كَانَ يتَرَدَّد عَلَيْهِم كثيرا وَيخْتَلف إِلَى بِلَادهمْ
وَمن شعر عبد الله بن حذافة فِي رسَالَته إِلَى كسْرَى وقدومه عَلَيْهِ
(أَبى الله إِلَّا أَن كسْرَى فريسة لأوّل دَاع بالعراق مُحَمَّدًا)
(تقاذف فِي فحش الْجَواب مُصَغرًا لأمر العريب الخائضين لَهُ الردى)
(فَقلت لَهُ أرود فَإنَّك دَاخل من الْيَوْم فِي الْبلوى ومنتهب غَدا)
(فَأقبل وَأدبر حَيْثُ شِئْت فإننا لنا الْملك فابسط للمسالمة اليدا)
(وَإِلَّا فَأمْسك قارعا نادم أقرّ بذلك الخرج أَو مت موحدا)
(سفهت بتمزيق الْكتاب وَهَذِه بتمزيق ملك الْفرس يَكْفِي مبددا)
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَكَانَ الْكتاب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى كسْرَى
[ ٢ / ١٥٣ ]
عَظِيم فَارس سَلام على من اتبع الْهدى وآمن بِاللَّه وَرَسُوله وأدعوك بِدِعَايَةِ الله ﷿ فَإِنِّي رَسُول الله إِلَى النَّاس كَافَّة لأنذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين وَأسلم تسلم فَإِن أَبيت فَإِن إِثْم الْمَجُوس عَلَيْك
فَلَمَّا قَرَأَ كتاب رَسُول الله ﷺ شققه وَقَالَ يكْتب إِلَيّ بِهَذَا الْكتاب وَهُوَ عَبدِي فبلغني أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مزق ملكه ثمَّ كتب كسْرَى إِلَى باذان وَهُوَ على الْيمن أَن ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي بالحجاز رجلَيْنِ جدرين فليأتياني بِهِ فَبعث باذان قهرمانه وَهُوَ بابويه وَكَانَ كَاتبا حاسبا وَبعث مَعَه بِرَجُل من الْفرس وَكتب مَعَهُمَا إِلَى رَسُول الله ﷺ يَأْمُرهُ أَن ينْصَرف مَعَهُمَا إِلَى كسْرَى وَقَالَ لبابويه وَيلك انْظُر مَا الرجل وَكَلمه وائتني بِخَبَرِهِ
فَخَرَجَا حَتَّى قدما الطَّائِف فسألا عَنهُ فَقيل لَهما هُوَ بِالْمَدِينَةِ واستبشر الْمُشْركُونَ وَقَالُوا لقد نصب لَهُ كسْرَى وكفاكم الرجل
[ ٢ / ١٥٤ ]
فَتوجه الرسولان إِلَى الْمَدِينَة وَلما قدما على رَسُول الله ﷺ كَلمه بابويه وَقَالَ إِن شاهان شاه ملك الْمُلُوك كسْرَى كتب إِلَى الْملك باذان يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْك من يَأْتِيهِ بك وَقد بَعَثَنِي إِلَيْك لتنطلق معي فَإِن فعلت كتب فِيك إِلَى ملك الْمُلُوك كتابا ينفعك ويكف عَنْك وَإِن أَبيت فَهُوَ من قد علمت وَهُوَ مهلكك ومهلك قَوْمك وَيخرب بلادك وَكَانَا قد دخلا على رَسُول الله ﷺ وحلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النّظر إِلَيْهِمَا وَقَالَ ويلكما من أمركما بِهَذَا قَالَا رَبنَا أمرنَا بِهَذَا يعنيان كسْرَى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَكِن رَبِّي أَمرنِي باعفاء لحيتي وقص شاربي ثمَّ قَالَ لَهما ارْجِعَا حَتَّى تأتياني غَدا وأتى جِبْرِيل إِلَى رَسُول الله ﷺ فاخبره أَن الله سلط على كسْرَى ابْنه شيرويه فَقتله فِي شهر كَذَا وَكَذَا لكذا وَكَذَا من اللَّيْل
فَلَمَّا أَتَيَا رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهما إِن رَبِّي قتل رَبكُمَا لَيْلَة كَذَا وَكَذَا من شهر كَذَا وَكَذَا بعد مَا مضى من اللَّيْل سلط عَلَيْهِ شيرويه فَقتله فَقَالَا هَل تَدْرِي مَا تَقول إِنَّا قد نقمنا مِنْك مَا هُوَ أيسر من هَذَا
[ ٢ / ١٥٥ ]
أفنكتب بهَا عَنْك ونخبر الْملك قَالَ نعم أخبراه ذَلِك عني وقولا لَهُ إِن ديني وسلطاني سيبلغ مَا بلغ ملك كسْرَى وَيَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهى الْخُف والحافر وقولا لَهُ إِنَّك إِن أسلمت أَعطيتك مَا تَحت يَديك وملكتك على قَوْمك من الْأَبْنَاء ثمَّ أعطاهما رَسُول الله ﷺ منْطقَة فِيهَا ذهب وَفِضة كَانَ أهداها لَهُ بعض الْمُلُوك
فَخَرَجَا من عِنْده حَتَّى قدما على باذان وأخبراه الْخَبَر فَقَالَ وَالله مَا هَذَا بِكَلَام ملك وَإِنِّي لأرى الرجل نَبيا كَمَا يَقُول ولننظرن مَا قد قَالَ فَإِن كَانَ حَقًا فَإِنَّهُ لنَبِيّ مُرْسل وَإِن لم يكن فسنرى فِيهِ رَأينَا فَلم يلبث باذان أَن قدم عَلَيْهِ كتاب شيرويه أما بعد فَإِنِّي قد قتلت أبي كسْرَى وَلم أَقتلهُ إِلَّا غَضبا لفارس لما كَانَ اسْتحلَّ من قتل أَشْرَافهم وتجهيزهم فِي بعوثهم فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فَخذ لي الطَّاعَة مِمَّن قبلك وَانْظُر الرجل الَّذِي كَانَ كسْرَى كتب إِلَيْك فِيهِ فَلَا تهجه حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي فِيهِ
فَلَمَّا انْتهى كتاب شيرويه إِلَى باذان قَالَ إِن هَذَا الرجل لرَسُول الله فَأسلم وَأسْلمت الْأَبْنَاء من فَارس مِمَّن كَانَ مِنْهُم بِالْيمن قَالَ السُّهيْلي ﵀ كَانَ قتل كسْرَى لَيْلَة الثُّلَاثَاء لعشر من جُمَادَى الأولى سنة سبع من الْهِجْرَة وَأسلم باذان سنة عشر
[ ٢ / ١٥٦ ]
وَعَن المَقْبُري قَالَ جَاءَ فَيْرُوز الديلمي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن كسْرَى كتب إِلَى باذان بَلغنِي أَن فِي أَرْضك رجلا تنبأ فاربطه وَابعث بِهِ إِلَيّ فَقَالَ إِن رَبِّي غضب على رَبك فَقتله فدمه سخن السَّاعَة فَخرج من عِنْده فَسمع الْخَبَر فَأسلم وَحسن إِسْلَامه
قَالَ ابْن عبد الْبر فَيْرُوز الديلمي يكنى بِأبي عبد الله وَيُقَال لَهُ الْحِمْيَرِي لنزوله بحمير وهم من أَبنَاء فَارس من فرس صنعاء الْيمن وَقيل إِن الْأَبْنَاء ينسبون فِي بني ضبة وفيروز قَاتل الْأسود الْعَنسِي الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة قَتله بِصَنْعَاء فَأتى الْخَبَر من السَّمَاء إِلَى النَّبِي ﷺ فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ فَخرج يبشر النَّاس فَقَالَ قتل الْأسود البارحة قَتله رجل مبارك من أهل بَيت مباركين قيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ فَيْرُوز الديلمي وَذَلِكَ سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة وَتُوفِّي فَيْرُوز ﵁ فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁
وروى الثعالبي فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أهْدى كسْرَى بغلة لرَسُول الله ﷺ فركبها بِحَبل من شعر
[ ٢ / ١٥٧ ]
وأردفه خَلفه قَالَ عبد الْكَرِيم قَالَ الدمياطي وَهَذَا بعيد لِأَنَّهُ مزق الْكتاب يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَأَن صَحَّ هَذَا لِأَن الْبَغَوِيّ ذكره أَيْضا فِي سُورَة الْأَنْعَام فَيحْتَمل أَن يكون الَّذِي أرسل البغلة شيرويه وَلَده أَو ابْن عَمه كسْرَى بن قباذ بن هُرْمُز أَو أزدشير بن شيرويه أَو جرهان هَؤُلَاءِ كلهم ملكوا بعد قتل أبرويز ثمَّ ملك بعدهمْ بوران بنت كسْرَى وَبلغ النَّبِي ﷺ أمرهَا فَقَالَ لن يفلح قوم أسندوا أَمرهم إِلَى امْرَأَة قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ