فَلَمَّا توفّي عبد الْمطلب ضمه عَمه أَبُو طَالب فظفر مِنْهُ بأفخر الْكُنُوز وأسنى المطالب وَكَانَ يُحِبهُ حبا شَدِيدا ويلقى عَلَيْهِ من الْكَرَامَة ظلا مديدا وَيجمع بِهِ شَمله وَيعرف بركته وفضله ويقدمه على أَوْلَاده وينشرح بمضيه إِلَيْهِ وترداده
وَخرج بِهِ إِلَى الشَّام فِي أَشْيَاخ من قُرَيْش فَذهب عَنْهُم بِصُحْبَتِهِ النصب وطاب لَهُم الْعَيْش ومروا فِي سيرهم بِالرَّاهِبِ الْمُسَمّى بحيرا فَنزل إِلَيْهِم مفارقا لعادته وصنع لَهُم طَعَاما كثيرا وَأخذ بيد سيد الراحلين والقادمين وَقَالَ هَذَا يَبْعَثهُ الله رَحْمَة للْعَالمين وَأخْبرهمْ برفعة نجومه وَسُجُود الْحجر وَالشَّجر عِنْد قدومه وَأَن الغمامة أظلته دون من قبله من الْقَوْم وَبعده وَمَا رَآهُ من صفته الَّتِي كَانَ يجدهَا مَكْتُوبَة عِنْده
وَكَانَ ﷺ إِذْ ذَاك ابْن اثنتى عشرَة سنة وشب مَعَ أبي طَالب يكلأه ويحفظه من لَا يَأْخُذهُ نوم وَلَا سنة لما يُرِيد من كرامته ويختار من نبوته وإمامته حَتَّى كَانَ أفضل قومه مُرُوءَة وجوارا وَأَحْسَنهمْ خلقا وأرفعهم
[ ٤٠ ]
منارا وأجزلهم عفة وصيانة وأعظمهم حلما وَأَمَانَة لَا يُمَارِي وَلَا يداجي وَلَا يَمِين حَتَّى سمي لما جمع فِيهِ من الْأُمُور الصَّالِحَة بالأمين
(نَبِي بحيرا هام فِي در بحره وَفِي الْوَصْف من آيَاته حارت الْفِكر)
(نَبِي أظلته الغمامة إِذْ مَشى وَعَن أمره جَاءَت إِلَى نَحوه الشّجر)
(وخاطبه ظَبْي الفلاة وضبها ووافى إِلَى الظامي بدعوته الْمَطَر)
(عَلَيْهِ سَلام الله مَا هبت الصِّبَا وَمَا غرد الْقمرِي واتسق الْقَمَر)