دعوة الأقربين
فالشيء الطبيعي أن تكون الدعوة في المرحلة الأولى في صفوف الأقربين. وخاصة عندما تأخذ طابع المواجهة المعلنة. لأن هذه المواجهة تعرض الداعية للخطر. فلا بد له من حماية، وعشيرة الداعية هم أكثر الناس استعدادا لحمايته. ولقد وجدنا بذور الدعوة الأولى في المرحلة السرية داخل بيت النبي - ﷺ -. فلقد كان أول الخلق إسلاما بعد رسول الله - ﷺ - زوجه خديجة بنت خويلد ﵂، ومولا، زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب - الذي كان مقيما عنده فلقد تكفل رسول الله - ﷺ - بتربيته تخفيفا عن أبي طالب الذي كان كثير العيال فقير الحال، وردا لمعروف في كفالته لرسول الله في صغره، وبناته زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة فلقد كان البيت، النبوي مسلما كله. ومن أجل ذلك عندما انتقلت الدعوة إلى المرحلة الجهرية كان لا بد من دعوة العشيرة الأقرب بني هاشم وبني المطلب، وإعلامهم بالأمر.
[ ١ / ٤١ ]
وهذه سنة إلهية يحدثنا رسول الله - ﷺ - عن أسبابها بصدد قصة لود ﵇ حين جاءه قومه يهرعون إليه يريدون الفاحشة بضيفه من الملائكة.
وكان لوط ﵇ قد هاجر إلى الشام. فليس له قبيلة تحميه أو تمنعه إلا ابنتاه. فامرأته كافرة، والمؤمنون أقلة غير قادرين على حمايته ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (١)﴾.
هذا النفر القليل الضعيف الذي لا يستند إلى عشيرة قوية حدا بلوط ﵇ أن يقول:
﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٢)﴾.
فقال ﵊ عن ذلك:
(رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله ﷿ - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه (٣).
وهذه السنة الإلهية هي التي حالت بين كفار مدين وشعيب.
﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (٤)﴾.
وسواء آمنت العشيرة أم لم تؤمن. فإن حمايتها لابنها الداعية خط أصيل في تاريخ الدعوات. فلقد اختلف موقف أبي طالب عن أبي لهب. وتبني أبو طالب حماية رسول الله - ﷺ - رغم عدم دخوله في الإسلام. بل لا تذكر الروايات أن أحدا أسلم في هذه الدعوة، إلا ما يروى عن إعلان إسلام علي ﵁ في هذا المجلس.
ومن العشيرة الأقرب إلى العشيرة الأكبر. حيث كان الإعلان عاما على جبل الصفا بأعلى مكة. فعم وخص. وحضر الدعوة ممثلو قريش جميعا.
ودعاهم إلى الإسلام والنصرة. فانقلبوا جميعا متخاذلين عنه وخاصة عندما
_________________
(١) الآية ٣٦ من سورة الذاريات.
(٢) الآية ٨٠ من سورة هود.
(٣) مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد علي الصابوني سورة هود، ج ١ ص ٢٢٧.
(٤) سورة هود الآية ٩١.
[ ١ / ٤٢ ]
شتمه عمه أمام الملأ من قريش وعلى رؤوس الناس. قائلا له: تبا لك ألهذا جعتنا.
ولكن موقف أبي طالب المعلن في حماية رسول الله - ﷺ - ونصرته، قد عكر صفو أهل مكة لأن هذا الإعلان بمثابة معركة داخلية جديدة في صفوف مكة.
ولقد كان الأمر القرآني من الوضوح حيث أنه لا خيار لرسول الله - ﷺ - من الإعلان العام مهما كانت نتائجه.
﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾.
غير أن الأمر بالإعلان وجهرية الدعوة قد اقترن بالدعوة إلى الصبر والصفح عن المشركين المعادين والإعراض عنهم يعني إلغاء الصدام معهم وتجنبه ما أمكن سبيلا إلى ذلك.