طلب المنعة خارج مكة
وكان ذلك عندما وصلت مكة إلى الطريق المسدود، فقادة مكة أصروا على مواقفهم، والمسلمون موزعون بين الحبشة مشردين، وبين مكة مضطهدين، أو أن الأمر محصور في الدعوة دون تغير في الواقع القائم، فكان لا بد من البحث عن مكان جديد تنطلق منه الدعوة، وكان أقرب المواقع لمكة ثقيف في الطائف، فمضى رسول الله - ﷺ - إليها كما يحدثنا ابن إسحاق: (ولما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف يومئذ، سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد يا ليل بن عمرو، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو .. فجلس إليهم رسول الله - ﷺ - وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال. الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك .. فقام رسول الله - ﷺ - من عندهم، وقد قال لهم: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني - وكره رسول الله - ﷺ - أن يبلغ
[ ١ / ١٣٣ ]
قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى إجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف. فلما اطمأن رسول الله - ﷺ - قال - فيما ذكر لي -: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني: إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن، بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (١» ونجد في روايات أخرى أن رسول الله - ﷺ - أقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه. فقالوا: أخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم. قال موسى بن عقبة: ورجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء. (وزاد غيره). (وكان إذا اذلقته الحجارة قصد إلى الأرض، فيأخذونه بعضديه، ويقيمونه، فإذا مشى رجموه، وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجا (٢».
لقد كان سعي رسول الله - ﷺ - إلى الطائف ذا هدفين:
الأول: دعوة ثقيف إلى الإسلام.
الثاني: طلب الحماية والنصرة منهم كما يقول نصر بن إسحاق: (.. وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه في قومه).
نحن إذن أمام مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها في هاتين النقطتين الأساسيتين:
_________________
(١) تهذيب السيرة ٩٧ - ٩٨.
(٢) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٢٣.
[ ١ / ١٣٤ ]
أولاهما: لأول مرة يخرج رسول الله خارج مكة، ويفكر في تغيير مركز الانطلاق. هذا وإن كان قد هيأ مركزا احتياطيا له في الحبشة، غير أنها لا تصلح مركزا للانطلاق، إلا عند الضرورة القاهرة، لأن الحبشة بعيدة عن الجو العربي، ولا بد أن تكون القاعدة الصلبة للانطلاق من قومه ليمكن قبولهم من بقية العرب. فلقد كانت قريش تأخذ على رسول الله - ﷺ - أن جمع أوشاب العرب من جماع القبائل ليقضي بهم مكة، ويغزوها، فكيف يمكن أن يقبل العرب دخول الأحباش ليكونوا القاعدة الصلبة للدعوة، وذكريات قريش عن الحبشة مرة منذ عام الفيل. لكن ثقيفا لا تقل أصالة عن قريش في الحسب والنسب والمنعة، وهي أنسب ما يكون لتكون البديل عن مكة، فلا يلي مكة في الأهمية عند العرب إلا الطائف، وفي الطائف أقدس أصنام العرب بعد الكعبة وهو اللات، وبها يحلف العرب. فلقد كان اختيار القيادة النبوية للبديل أوفق اختيار.
ثانيتهما: لأول مرة وفي هذه المرحلة الجديدة نجد عنصر طلب النصرة. فلقد كان رسول الله - ﷺ - يدعو القبائل ويحضر مواسم العرب قبل هذه المرحلة. غير أن هذه الدعوة كانت محصورة في الدعوة إلى الإسلام. بل يمكن القول: أن الرسول - ﷺ - لم يطلب النصرة إلا في هذه المرحلة، وكانت الحماية والنصرة السابقة بناء على عرض المشركين وليست بناء على طلبه. فأبو طالب هو الذي قاد هذه المرحلة، وحمل لواء نصرة ابن أخيه وجمع على هذا الرأي بنو عبد المطلب، بنو هاشم، وبنو المطلب، وفشل في ضم بني أمية وبني نوفل إلى هذا الحلف. ونفقه من هذه الرحلة النبوية المباركة أصول الحركة السياسية للحركة الإسلامية. فعندما تسد أمامها المنافذ التي تنطلق منها، وتصل إلى الطريق المسدود في مكان ما، فمن واجبها أن تبحث عن قاعدة جديدة للانطلاق. تحمل المؤهلات المناسبة للقاعدة الأولى.
وهذا ما لاحظناه في الحركة الإسلامية اليوم يوم سدت منافذ الجهاد أمامها في سورية وقد حملت السلاح ثائرة ضد الطغيان الحاكم فيها. لجأت إلى بديل طبيعي هو الأرض العربية المجاورة حيث فتحت الدولة المضيفة
[ ١ / ١٣٥ ]
أبوابها لإيواء المهاجرين المسلمين، واستطاعت الحركة الإسلامية أن تتابع جهادها لمقاومة الطاغوت الكافر.
ولكن رسول الله - ﷺ - ووجه بأعنف رد تلقاه داعية في الأرض، بعد أن بذل جهدا مضنيا في محاولة إقناع قادة ثقيف، وبعد أن أمضى عشرة أيام يتصل بكل ثقيف شبابا وفروعا، لكن دونما جدوى، فلم يأذن الله تعالى بالفرج بعد.
ونلاحظ حرص رسول الله - ﷺ - على الجانب السياسي في الموضرع حين طلب من قادة ثقيف كتمان الأمر، لما له من مضاعفات خطيرة في مكة. غير أن هؤلاء الزعماء نكثوا عهدهم وأغروا سفهاءهم وعبيدهم بإيذائه. ولم يثن هذا الإيذاء رسول الله - ﷺ - عن مهمته كداعية. بل عرض عليه من ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين. فأبى ﵊ قائلا: إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. إن مهمة السياسي أن ينتصر، أما مهمة الداعية أن تنتصر دعوته. وحين يخير بين الأمرين فيختار دعوته على شخصه. وكم من الدعاة بحاجة إلى أن يتعمق هذا المعنى في نفوسهم.
إننا لا يمكن أن نتصور مثل هذه النماذج في الوجود، ولكن لنحاول الارتفاع إلى أفقها السامي، فأقبح رد وألأم معاملة تصل إلى الحد الذي ذكرته الروايات (رجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، وكان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذونه بعضديه ويقيمونه. فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجا). ومع ذلك يأتيه العرض من ربه تعالى أن ينتقم له ويثأر له. وليس عرضا من حليف أرضي، ولا من شيطان مريد. بل من رب العالمين، ومع هذا كله فيملك الخيار ويرجو ربه أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله.
إن المرء ليعجز عن تصوير هذا السمو البشري مهما كان مستواه، بل يكاد يعجز عن تصوره. وبقي مع هذا لنا من هذا الدرس أن لا تغيب
[ ١ / ١٣٦ ]
الدعوة عن أذهاننا لحظة من اللحظات. وإن يكون رضى الله تعالى هو الذي يحرك مواقفنا جميعها. فلم يشغل بال رسول الله - ﷺ - الأذى الذي لحق به كما ذكره (إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري) بمقدار ما كان يشغله أن يكون هذا الأذى دليلا على غضب الله تعالى عليه: (اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي). وكل الذي كان يرجوه من ربه جل وعلا أن يرفع عنه هذا السخط إن كان قد وقع (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل علي غضبك أو يحل علي سخطك ..). وسيبقى الأفق الأعلى الذي تحاول البشرية أن ترقى إليه، وخاصة الدعاة إلى الله، أن لا ينسوا هدفهم أبدا. ويذكروا دائما أن الهدف الأول عندهم هو نصر دعوتهم لا نصر أشخاصهم، وأن لا يكون الثأر والانتقام هو الذي يحركهم. ولو وقف الدعاة اليوم مليا أمام هذه الصورة، وطلب منهم أن يقبلوا إسلام أعدائهم الذين يحاربونهم في سورية اليوم لما كان بإمكانهم أن يتصوروا هذا الواقع بله أن يقبلوه. إذ أن الشيء الذي يحركهم الآن أو يمكنهم أن يقبلوه فقط هو الثأر والانتفام من أعداء الله، فليراجعوا قلوبهم وليصححوا مواقع نفوسهم، بحيث لا يكون حظهم من الدنيا إلا حظ عقيدتهم. وليكن لهم من رسول الله - ﷺ - الأسوة الحسنة الذي يرتفع فوق عواطفه، ويرتفع فوق أحقاده وثاراته. ولا يكون له هدف إلا انتصار الدعوة وبلوغها الآفاق حتى تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله.