(أول إعلان رسمي لشعائر العبادة)
(قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله - ﷺ -، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول).
ونزل رسول الله - ﷺ - بقباء على كلثوم بن الهدم .. وأقام بقباء أربعة أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة (٢».
فبعد مرور ثلاثة عشر عاما ليس للمسلمين مركز علني ثابت يصلون فيه، لا تقام فيه إلا شعائر التوحيد، إذ كانوا يصلون أحيانا في الكعبة، لكن بيت الله الحرام قد أحاط به ثلاثمائة وستون صنما، وكل شعائر الشرك تقام حوله.
_________________
(١) الإمام أحمد الطبراني والحاكم في مستدركه.
(٢) الرحيق المختوم عن البخاري وزاد المعاد ص ١٨٩ - ١٩١.
[ ١ / ٢٠٠ ]
لقد كان مسجد قباء كما ذكر القرآن الكريم أول مسجد أسس على التقوى، وكان رواده أول ركب مؤمن خالص الإيمان يعلنون التوحيد ويرفعون راية لا إله إلا الله، دون خوف من سلطة قاهرة تفرض عليهم غير شعائر الإيمان. لقد كانت الصلاة في مسجد قباء نقطة تحول في التاريخ الإسلامي بين عهد المحنة والخوف والمعاناة، وبين عهد التميز والمفاصلة، والعبادة الخالصة لله وحده دون أثر للشرك والمشركين.
﴿.. لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله - ﷺ - حب المطهرين (١)﴾. ولعل الهدف الأول للحركة الإسلامية اليوم حين تقيم دولة الإسلام أن تعود إلى المساجد روح التوحيد الخالص البعيدة عن مظاهرة الطاغوت والتسبيح بحمده، دون خوف أو وجل. ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا .. (٢)﴾. وهو الهدف الذي حدده الإسلام للمؤمنين عند التمكين. ﴿.. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور .. (٣)﴾.
﴿.. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (٤)﴾.
وكان تجمع قباء ليس خاصا بأهل قباء وحدهم. فكما يقول ابن القيم: وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه، وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة (٥». وكان هذا التجمع
_________________
(١) التوبة ١٠٨.
(٢) سورة الجن الآية ١٨.
(٣) سورة الحج الآية ٤١.
(٤) سورة النور الآية ٣٦ - ٣٨.
(٥) الرحيق المختوم ص ١٩١.
[ ١ / ٢٠١ ]
خاليا من كل الشكليات والرسميات. وكما روى البخاري: فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - ﷺ - يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله - ﷺ - فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله عند ذلك).
إنه سيد خلق الله كافة، ويعيش مع أصحابه كأنه واحد منهم حتى لا يعرف إلا عندما يظلل بالرداء من أبي بكر، ومعالم دولة الإسلام في الأرض بهذه القيادة وبهذا التواضع والتعايش لحرية أن تكون منهاجا لكل مسؤول وقائد كيف تكون علاقته مع إخوانه وجنوده.