إعلان إسلامية الدولة
أ - بناء المسجد:
يقول المباركفوري: وأول خطوة خطاها رسول الله - ﷺ - بعد ذلك هو إقامة المسجد النبوي ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء المسجد، واشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وساهم في بنائه نفسه، فكان ينقل اللبن والحجارة ويقول:
هذي الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في البناء حتى أن أحدهم ليقول:
لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل
وكان في ذلك المكان قبور المشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غرقد فأمر رسول الله - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة المسجد وكانت القبلة إلى بيت المقدس وجعلت عضادتاه من الحجارة، وأقيمت حيطانه من اللبن والطين، وجعل سقفه من جريد النخل، وعمده الجذوع، وفرشت أرضه من الرمال والحصباء، وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانب مثل ذلك أو دونه. وكان أساسه قريبا من ثلاثة أذرع.
_________________
(١) من الآية ٦ من سورة الأحزاب.
(٢) الرحيق المختوم ص ٢٠٦.
[ ٢ / ٢١٥ ]
ولم يكن المسجد موضعا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقي وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع الشؤون وبث الانطلاقات، وبرلمانا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية. وكان مع هذا كله دارا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم دار ولا مال ولا أهل ولا بنون.
ب - إعلان الأذان:
(.. فبينا هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد .. النداء. فأتى رسول الله - ﷺ - فقال له: يا رسول الله. إنه طاف في هذه الليلة طائف. مر بي رجل عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوسا في يده. فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟. قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر فلما أخبر بها رسول الله - ﷺ - قال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك. فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله - ﷺ - يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله - ﷺ -: فلله الحمد على ذلك (١).
ج - الحكم الإسلامي:
ونلاحظ ميزات هذا الحكم وإعلانه من بعض مقتطفات من ميثاق المدينة:
١ - بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم إنهم أمة من دون الناس
٢ - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد - ﷺ -.
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام ص ١٢٨.
[ ٢ / ٢١٦ ]
٣ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود
٤ - وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
٥ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد رسول الله - ﷺ -.
ولا تحتاج هذه الفقرات إلى تعليق، فهي واضحة تماما من حيث تحديدها لقيام دولة الإسلام وإعلان هوية هذه الدولة. بعد التمكين الذي هيأه الله تعالى لرسوله وللمؤمنين.