العدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته
(ثم إن سعد بن معاذ انطلق إلى مكة معتمرا فنزل على أمية بن خلف بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من لقف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة (١».
لقد كانت المحاولة الأولى مع سعد بن عبادة حيث اعتقل في مكة، وأنقذه صاحباه جبير بن مطعم والحارث بن حرب. وذلك عقب بيعة العقبة، أما وقد هدأ الأمر، وبيت الله لا يصد عنه أحد إذا جاء معظما له، فكانت المحاولة هذه من زعيم الأوس سعد بن معاذ، ونزل على صاحبه في مكة أمية بن خلف. وبذلك خطت قريش خطا جديدا لأول مرة في تاريخ جيران الحرم وسدنته، أن تصد عن بيت الله المسلمين أو تعتقلهم، فلقد اعتبرت نفسها في حالة حرب معهم. وهذا يعني أن المسلمين قد حيل بينهم وبين البيت الحرام فترة طويلة إلى أن يأذن الله تعالى بالفرج من عنده ويصبح عندهم شوكة قاهرة ترغم قريش على السماح لهم بتأدية نسكهم فيه. والإشارة التي نفقهها من هذا الموقف هي أن الممارسة العملية لأعداء الله في حربهم للإسلام والمسلمين تجعلهم يتناقضون مع أبسط المبادىء والأعراف التي يقوم عليها تفكيرهم ووجودهم. فالأصل في جيران بيت الله الحرام أن يؤدوا الخدمة للحجيج، وبهذا الأمر كانوا يتنافسون، وأعرق مفاخرهم ما يؤدونه
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب المغازي ج ٥ ص ٢ و٣.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
للحجيج من سقاية ورفادة. بل كانت تقوم المذابح والحروب للمحافظة على هذه المكارم، ومع هذا فلا يجدون حرجا من تهديد معتمر من المدينة بالاعتقال أو القتل.
وكان موقف سعد ﵁ من القوة والنباهة، ما أشار به إلى طاغوت مكة من أن شريان حياتهم بين المسلمين، وتجارتهم عن طريق المدينة إلى الشام، فلن يسكت المسلمون عليهم أو يدعوهم يمروا، لقد كان موقف القوة الأول من سعد زعيم الأوس وهو لين ظهراني قريش وأمام طاغوتها إيذانا بتوتر كبير، وإعلانا بمرحلة جديدة. وردا على تهديدات مكة للأنصار أن يتراجعوا عن إيوائهم لمحمد - ﷺ -.
لقد كان هذا أول احتكاك مباشر بين الفريقين في هذه المرحلة، وكان صورة من صور العزم والمواجهة على استمرار أهل المدينة على موقفهم في نصرة محمد رسول الله - ﷺ -. وهذه الفكرة بالذات دعوة لشباب الإسلام أن يقولوا كلمة الحق بقوة حين لا يكون أمامهم مندوحة عن ذكرها، ويكون ذكرها حربا نفسية توهن قلوب الأعداء.