المحاولات الإيجابية في الحرب: عمليات الاغتيال والقتل للقيادة
لقد تعرض رسول الله - ﷺ - لأربع محاولات اغتيال وقتل.
كانت الأولى بطلب صريح من قريش من أبي طالب، يطلبون فيه تسليم النبي - ﷺ - لهم: كما روى ابن إسحاق: (ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله - ﷺ - وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن الغيرة. فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم نقتله، فإنما هو رجل برجل!
فقال: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا (١».
وكانت المحاولة الثانية محاولة فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام. كما
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام ص ٥٩.
[ ١ / ٧٦ ]
روى ابن إسحاق كذلك: (يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلس له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني. فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم (١) ..
وفشلت المحاولة في اليوم الثاني عندما رجع مكفهر الوجه، وقد يبست يداه على الحجر قائلا: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني (٢) ..
وكانت المحاولة الثالثة، محاولة طغاة قريش في قتله، ففي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - ﷺ -، قال: بينا النبي - ﷺ - يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي - ﷺ - وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله (٢)؟
وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئا من غدائره إلا رجع معنا (٣). وكانت المحاولة الرابعة محاولة عمر بن الخطاب ﵁ والتي انتهت بإسلامه.
وهذه السمة في غنى عن التعليق، إذ يجب أن لا يغيب أبدا عن أذهان الحركة الإسلامية تخطيط العدو الماكر لإبادة القيادة واغتيالها. وما شهده جيلنا المعاصر من اغتيال وإبادة قادة الحركات الإسلامية يعطينا صورة واضحة
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام ٦٨ - ٦٩.
(٢) صحيح البخاري ١ - ٥٤٤ باب ما لقي رسول الله وأصحابه من المشركين بمكة.
(٣) مختصر السيرة. ص ٩٩.
[ ١ / ٧٧ ]
عن ذلك. فقد كان اغتيال الشهيد حسن البنا ﵀ هدفا خطط له الكفر في الأرض، ثم كانت القافلة الثانية من الشهداء، التي تم إعدامها، عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب ثم كانت القافلة الثالثة من الشهداء التي تم إعدامها سيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، ويوسف هواش. وعمليات التصفيات الجسدية التي تمت على ثرى الشام الطهور لقادة الجهاد فيه. مروان حديد وإبراهيم اليوسف وعبد الستار الزعيم، وكل محاولات الاغتيال التي تمت لقادة الحركة الإسلامية، لتنبىء عن مدى تخطيط العدو لاستئصال هذه الحركة من خلال القضاء على قادتها وزعمائها.