طلب الإجارة من العدو في مكة
(ذكر ابن إسحاق أن رسول الله - ﷺ - لما أراد أن يدخل مكة بعد رجوعه من الطائف أرسل إلى الأخنس بن شريق: أدخل في جوارك؟ فقال: إني حليف، والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه على ذلك).
[ ١ / ١٣٧ ]
(وأقام رسول الله - ﷺ - بنخلة أياما، فقال له زيد بن حارثة، كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ - يعني قريشا -. فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر دينه. ثم انتهى إلى مكة، فأرسل رجلا من خزاعة إلى المطعم بن عدي: أدخل في جوارك؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقالوا ألبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا، فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدا فلا يهيجه منكم أحد. فانتهى رسول الله إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرفت وانصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١).
لئن كانت رحلة الطائف ذات هدفين هما الدعوة والنصرة فلا شك أن الموضوع محصور الآن في طلب الإجارة والحماية من زعماء مكة. ونلاحظ في هذه الرواية إشارة إلى أن أهل مكة أخرجوا رسول الله - ﷺ - كما يقول زيد ﵁: (كيف ندخل عليهم وقد أخرجوك؟). وكانت ثقته - ﷺ - بربه أن فرج الله تعالى قريب وخاصة عندما تشتد المحنة ويعظم البلاء.
والأخنس بن شريق من بني زهرة، وبنو زهرة حلفاء بني هاشم وبني تيم في حلف الفضول، فتنصل الأخنس من الإجارة بقوله: إني حليف والحليف لا يجير. ولعل الأصل في قانون الإجارة أن تكون من قبيلة لقبيلة ثانية، أما الحماية، فهي التي تتم من القبيلة لأبنائها، كما كانت حماية أبي طالب. ثم بعث إلى سهيل بن عمرو فتنصل من الإجارة بقوله: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فسهيل بن عمرو يلتقي مع رسول الله - ﷺ - من حيث النسب في لؤي وفي لؤي يفترق بنو كعب بن لؤي عن بني عامر بن لؤي. ولا ندري كذلك حدود هذه الأعراف الجاهلية، ولم لا تجير بنو عامر على بي كعب لكنها كانت محددة واضحة، أو أنه تعلل للهروب من هذه الإجارة.
_________________
(١) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٢٥.
[ ١ / ١٣٨ ]
ثم طلب الإجارة من المطعم بن عدي زعيم بن نوفل بن عبد مناف، وهم الفرع الثالث من بني عبد مناف، إذ الفروع الأربعة هي بنو هاشم وبنو عبد شمس وبنو المطلب وبنو نوفل. ويعلم المطعم بن عدي خطورة الإقدام على هذه المغامرة. فقد يعادي قريشا كلها من أجل هذه الإجارة، إذ أي اعتداء يقع على محمد - ﷺ - لا بد أن يرد هذا الاعتداء، ولو أدى الأمر إلى حرب بينه وبينهم.
ونعلم كذلك حرص المطعم بن عدي على ألفة قومه، حين لام أبا طالب لعدم قبوله تبادل محمد وعمارة بن الوليد، إذ قال له: والله - ﷺاأبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل شيئا، فأجابه أبو طالب: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك.
والمطعم أمام هذا الموقف العصيب، وأمام معاداة قومه بالاستجابة لطلب محمد بن عبد الله أو التنصل من الإجارة كما تنصل غيره. فوقف موقفا مشرفا، حفظه له التاريخ حيث سلح بنيه جميعا وحضر بهم إلى الكعبة بالسلاح معلنا إجارة محمد بن عبد الله، حيث دخل رسول الله - ﷺ - وزيد بن حارثة فطافا بالكعبة بحماية السلاح. ومضى إلى بيته - ﷺ - بحمايتهم كذلك، وكان هذا صفعة كبيرة لقريش، وتحديا لمشاعرها، لكنها لم تشا أن تخسر بني نوفل إلى الأبد إلى صف محمد كما خسرت بني المطلب وبني هاشم، فسكتت على مضض.
وحفظ رسول الله - ﷺ - هذا الصنيع للمطعم بن عدي. فقال في بدر وقد أسر من قريش سبعين من صناديدهم: لو كان المطعم بن عدي حيا لوهبت له هؤلاء النتنى. وكم نحن بحاجة إلى أن نفقه هذا المعنى في حركتنا الإسلامية المعاصرة.
إن المطعم بن عدي كافر لا يختلف في عقيدته أبدا عن بقية قريش.
وإن أبا جهل وأبا لهب كافران كذلك مثل المطعم بن عدي. لكن الفرق بين
[ ١ / ١٣٩ ]
النوعين واضح: كافر مسالم مناصر للمسلمين، وكافر عدو محارب. ورسول الله - ﷺ - هو الذي يطلب هذه الإجارة وهذه النصرة. ويتنقل في مكة تحت حماية السيوف الكافرة. وها هو ﵊ يعلن أنه سيطلق سراح سبعين كافرا من صناديد قريش لو طلبهم منه المطعم بن عدي الكافر.
إن رسول الله - ﷺ - يربينا على أن نرد المعروف لأهله ولو كانوا كفارا، ويعلمنا أن نحفظ الود لأهله. ولو كانوا عبدة أصنام وأوثان، ويربينا كيف نفرق بين العدو الذي يحمينا وبين العدو الذي يقتلنا.
ونخلص بعد ذلك إلى طبيعة هذه المرحلة التي أسميناها مرحلة قيام الدولة. فنجد أنها مرحلة طلب النصرة، ابتداء من ثقيف، فالمطعم بن عدي، فالقبائل الأخرى.
ونلاحظ هنا أن حماية المطعم -على ما يبدو- كانت محصورة على الحماية الشخصية، لا على حرية الدعوة، ومن أجل ذلك رأينا رسول الله - ﷺ - يبحث عن موطن آخر يستطيع أن ينطلق منه للدعوة في سبيل الله.