بناء القاعدة الصلبة
وقد أخذت عملية بناء المجتمع الإسلامي الأولى ثلاثة خطوط:
الخط الأول: العهد بين تجمع المهاجرين وتجمع الأنصار.
الخط الثاني: المؤاخاة بين أفراد المهاجرين والأنصار.
الخط الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين وحدهم.
أما نص الوثيقة التي أقامت هذا البناء بين المهاجرين والأنصار فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من
[ ٢ / ٢١٢ ]
قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون (١) بينهم، وهم يفدون عانيهم (٢) بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم (٣) يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار .. وبنو الحارث .. وبنو ساعدة .. وبنو الجشم .. وبنو عمرو بن عوف .. وبنو النبيت .. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (٤) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٥) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم لأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، لأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن
_________________
(١) يتعاقلون: أي يعقل بعضهم عن بعض، والعقل: الدية.
(٢) العاني: الأسير.
(٣) الربعة: الحال التي وجدهم عليها الإسلام.
(٤) مفرحا: مقلا بالدين كثير العيال.
(٥) الدسيعة: العظيمة.
[ ٢ / ٢١٣ ]
عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد - ﷺ - (١».
فلقد أصبح المهاجرون والأنصار أمة واحدة من دون الناس، أما كتلة المهاجرين فكلها تجمع واحد، أما كتلة الأنصار فموزعة على تجمعات قبائلها وعشائرها، ولقد تحددت مسؤولية كل فريق على حدة أمام الله تعالى وأمام رسوله وأمام إخوانه المؤمنين. وحيث إن المهاجرين جميعا كتلة واحدة ليس تجمعهم على أساس الانتماء القبلي، فكان لا بد من الخط الثاني، خط المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم ليحمل قويهم ضعيفهم، وآخى رسول الله - ﷺ - بين ذاته الشريفة وبين علي بن أبي طالب ابن عمه الذي جاءه حافي القدمين بعد تأدية أماناته إلى الكفار في مكة. كما آخى ﵊ بين حمزة بن عبد المطلب عمه، وبين زيد بن حارثة مولاه، دون تمييز لنسبهما بل كان الدافع هو التقوى. وكان الخط الثالث هو المؤاخاة بين أفراد المهاجرين والأنصار على حد التعبير النبوي: تآخوا في الله أخوين أخوين.
وذلك ليتم التكافل المباشر بينهما، فالأنصار أهل ضرع وزرع، والمهاجرون أهل تجارة. فكان الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر أن يقاسمه ماله وبيته وزرعه. فقد روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بين عبد الرحمن (بن عوف) وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع.
ويقول ابن القيم: ثم آخى رسول الله - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام،
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام ص ١٢٤.
[ ٢ / ٢١٤ ]
إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله ﷿ ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض (١)﴾ رد التوارث دون عقد الأخوة.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال الأنصار للنبي - ﷺ -: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا (٢».