القيادة تحدد المعركة
يقول المباركفوري: (ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك
_________________
(١) سورة الحشر الآية ٩.
(٢) سورة الأنفال الآية ٦٣.
[ ١ / ١٧٥ ]
الانفضاض، اكتشفها أحد الشياطين، وحيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاع زعماء قريش سرا ليباغتوا المجتمعين، وهم في الشعب، قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض وصاح بأنفذ صوت قط، يا أهل الأخاشب (الجباجب): هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هذا إزب العقبة، أما والله - ﷺاعدو الله لأفرغن لك، ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم. وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن نضلة، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا. فقال رسول الله - ﷺ - لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا (١».
أين كان طواغيت الأرض من هذه البيعة الفريدة في تاريخ الأرض؟ أين كان مشركو المدينة والبيعة تتم على رؤوسهم؟. وأين كانت قريش والبيعة تريد أن تحطم طاغوتها وكبرياءها؟ وهي تحاد الله وتكذب رسوله؟ وأين كان الحجيج المشرك كله، والبيعة ستنتهي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان؟ نقول هذا عن العدو القريب الذي كان وضع هؤلاء السبعين بالنسبة لهم كوضع اللقمة بين فكي الأسد. ولا نذكر ملوك الأرض الأبعدين كسرى وقيصر وحلفاءهما وعبيدهما، أين كان كل هؤلاء؟ كانوا يشخرون في نومهم، ويغطون في سباتهم، وعين الله تعالى تكلأ هذه العصبة المزمنة. والساهر الوحيد الذي كان يقضم أسنانه غيظا، ويعض أصابعه ندما هو الشيطان الرجيم، وانتظر حلفاءه في الأرض كلها، فلم يتحرك أحد على أخطر بيعة في الأرض، فما تمالك أن صرخ: يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم، فالشيطان إذن ساهر ليمزق كل بيعة على الجهاد في سبيل الله، ولن ينثني بنفسه أو حلفائه عن هذه الحرب، فهذه مهمته، وقد قتلته عبقرية النبوة السياسية التي حققت كل هذه الانتصارات، والشرك غاف كالمقبور لا يدري ما يجري حوله. فهل لنا بمثل هذه العبقرية في تحركنا الجديد اليوم؟.
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ١٧٠.
[ ١ / ١٧٦ ]
ووضع المبايعون أيديهم على مقابض السيوف ليستلوها من أغمادها أمام هذا النداء قائلين: لئن شئت يا رسول الله لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. الاستعداد للتو لتنفيذ بنود البيعة، بل أكثر من البنود، لأن يحموه ﵊ وهو في مكة.
ويأتي الجواب النبوي العظيم: لم نؤمر بذلك ولكن ارفضوا إلى رحالكم. فكم الفرق بين معركة آنية يسقط بها هؤلاء السبعون شهداء استجابة لنزوة طارئة، وانفعال هائج، وبين المسؤولية عن كل قطرة دم تسقط دون تخطيط، وتسفح دون هدف. إن دم المسلم أشد عند الله تعالى حرمة من الكعبة المشرفة فكيف يسقط هذا الدم دون مقابل؟!.
لا بد من الإعداد للمعركة، ولما تحن المعركة بعد. فالنبي - ﷺ - هو الذي يحدد زمانها ومكانها، وواجب الجنود أن تكون أيديهم في كل لحظة على الزناد أو على العتاد. أما واجب القيادة فأضخم من ذلك بكثير، أن تدرس آلاف الاحتمالات الناجحة أو الفاشلة لخوض المعركة. لأن كل قطرة دم سوف تقف يوم القيامة على رأس هذه القيادة وتسألها؟ فيم أرقت؟ فماذا تحيب؟ فلئن كان واجب الجندية أن تكون يدها على الزناد في كل لحظة بطلب منها ذلك فأشد وجوبا عليها وألزم أن ترفع يدها عنه، وتمضي إلى رحلها دون اعتراض، ولكن ارفضوا إلى رحالكم.
ما أجلاه من درس؟! وما أروعها من عبرة؟!.
الاستعداد لقتال الحجيج كافة (لنميلن على أهل منى بأسيافنا). والإشارة الواحدة بالانصراف (ارفضوا إلى رحالكم). ويعود السبعون والنيف يتسللون كالقطا إلى أماكنهم التي انسحبوا منها في الهزيع الأول من الليل - ومن حولهم غارقون في نومهم، فيشاركونهم في الشخير، دون أن يدري بهم أحد حتى من تسللوا من فرشهم وكانوا نياما معهم.
[ ١ / ١٧٧ ]