دور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها
أين كانت المرأة المسلمة في هذه الأحداث؟
لقد كانت جزءا لا يتجزأ منها، ساهمت في صنعها تربية للجيل المسلم أولا، ثم رعاية للزوج المسلم ثانيا، ودفعا له إلى الجهاد والبذل، ثم صبرا واحتسابا عند المصيبة ثالثا، ثم حضورا للمعركة تسقي الظمأى وتداوي الجرحى رابعا، ثم حملا للسلاح جهادا للعدو حين الضرورة أخيرا، ولا يتسع المقام لأكثر من نماذج توضح هذه الأدوار كلها لتكون نبراسا للمرأة المسلمة اليوم وهي تحمل رسالة الإسلام بجانب الرجل.
أ - في التطبيق العملي للإسلام:
كان المسجد للرجال والنساء، فلقد كانت الصفوف الأولى للرجال، والصفوف الأخيرة للنساء. ولم يكن المسجد دار عبادة فقط، بل كان الجامعة العلمية العليا التي يتلقى المسلمون علومهم منها وعلى رأس هذه الجامعة رسول الله - ﷺ -، ومن أجل هذا كان الحرص المستمر من النساء على شهود الخير وجماعة المسلمين. وكان رسول الله - ﷺ - كثيرا ما يعقد لهن درسا خاصا يعلمهن ويعظهن ويذكرهن. ولو كان المسجد للعبادة فقط، لأمكن استغناء كثير من النساء عن الحضور إليه إذ الإسلام جعل صلاة المرأة في بيتها خيرا من صلاتها في المسجد النبوي، لكن تلقي العلم من منبعه النبوي الموحى إليه لم يكن ليتاح للمرأة المسلمة إلا في المسجد.
وكما كان المسجد دار عبادة ودار علم، فلقد كانت الأحداث تصنع فيه، وتقرر فيه. ولهذا كانت المرأة المسلمة تعيش هذه الأحداث يوما بيوم وساعة بساعة، لم تكن أبدا معزولة عنها، بل كانت تحياها بمشاعرها وأعصابها وفكرها، وتذلل بذلك للرجل المسلم كثيرا من الخطوات التي يود أن يخطوها في بيته لإقناعها بما يريد. وهذه هي المشكلة التي تعانيها المرأة المسلمة اليوم، إنها تعيش بعيدا عن مصنع النور، وبؤرة الإشعاع، وليس كل رجل قادرا
[ ٢ / ٣٨٣ ]
على صهر المرأة في هذه الأحداث وجعلها تتفاعل معها، المرأة تعيش اهتماماتها أكثر مما تعيش إسلامها. وهذا لا يعني أنا لا نملك النماذج الإسلامية الرائعة للمرأة المسلمة اليوم. لكنها نماذج فردية، وليست سمة عامة لنسائنا اليوم.
وفي اعتقادي أن أكبر خطوة عملية تمت بالمرأة المسلمة على طريق الإسلام هو نقل عواطفها ومشاعرها وذوقها من الجاهلية إلى الإسلام في مجال الغناء، وذلك ببروز ظاهرة الأشرطة الإسلامية التي ملأت البيوت، ونسخت الفن الجاهلي الهابط الذي كانت تعيشه المرأة نهارها كله، وهي تغير أبرة المذياع من أغنية ماجنة إلى أخرى خليعة، وتحفظ نسوتنا هذه الأغاني جميعا. وتشهد بها أفراحها وتبني من خلالها ذوقها وعاطفتها بل أفكارها كذلك ومن التطبيق العملي كذلك موقفها وهي تتلقى وحي الله تعالى، نشهد ذلك من خلال روايات عائشة ﵂ الثلاث.
١ - يرحم الله نساء المهاجرات الأول. لما أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن مروطهن فاختمرن (١).
٢ - عن صفية بنت شيبة عن عائشة: لما نزلت هذه الآية، ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها (٢).
٣ - عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة ﵂ إن لنساء قريش فضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: ﴿وليضربن بخمرهن على جيويهن﴾. انقلب رجالهن إليهن يتلو عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله - ﷺ - معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان (٣).
_________________
(١) البخاري م٢ / ج ٦/ ١٣٦، تفسير سورة النور.
(٢) المصدر نفسه ١٣٦ و١٣٧.
(٣) رواه ابن أبي حاتم وأبو داود. تفسير ابن كثير ٦/ ٩٠
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فهكذا كانت المرأة المسلمة تتعامل مع نصوص الكتاب والسنة، وهكذا كانت تحضر الصلاة في المسجد، وتلبي داعي الله.
ب - في تربية الجيل المسلم:
لقد كانت الأمهات اللاتي دخلن في الإسلام، ومن خلال تعايشهن مع الأحداث. خير عون ودافع لأبنائهن. ومن هذه النماذج:
١ - عن عبد الله بن زيد قال: جرحت يومئذ جرحا في عضدي اليسرى (يوم أحد)، وضربني رجل كأنه الرفل (النخلة الطويلة) ولم يعرج علي ومضى عني، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول الله - ﷺ -: أعصب جرحك، فتقبل أمي إلي، ومعها عصائب في حقويها قد أعدتها للجراح، فربطت جرحي، والنبي واقف ينظر إلي، ثم قالت: انهض يا بني فضارب القوم!! فجعل النبي - ﷺ - يقول: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة!!
٢ - قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن؛ فقالت عائشة، وذلك قبل أن يفرض علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقفصة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقد (١) بها ويقول:
لبث قليلا يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل
قال: فقالت له أمه: الحق، أي بني، فقد والله أخرت، قالت عائشة: فقلت لها يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه (٢).
حـ - في رعاية الزوج والولد
وخرج عمرو بن الجموح وهو أعرج وهو يقول: اللهم لا تردني إلى أهلي!! فقتل شهيدا، واستشهد ابنه خلاد بن عمرو، وعبد الله بن عمرو بن
_________________
(١) الأصح: يرفل بها أي يسرع، وهي كذلك في سائر الأصول.
(٢) السيرة لابن هشام ج ٣ ص ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
حرام أبو جابر بن عبد الله فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام - زوجة عمرو بن الجموح - على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقيتها عائشة (١) ﵂ - وقد خرجت في نسوة تستروح الخبر، ولم يضرب الحجاب يومئذ فقالت لها: عندك الخبر، فما وراءك؟ قالت: أما رسول الله فصالح، وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ الله من المؤمنين شهداء .. قالت عائشة: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابني خلاد وزوجي عمرو بن الجموح؟ قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها. ثم قالت: حل (٢) - تزجر بعيرها - فبرك، فقالت عائشة: لما عليه. قالت: ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك. وزجرته فقام، فوجهته راجعة إلى أحد، فأسرعت إلى النبي - ﷺ - فأخبرته بذلك فقال: فإن الجمل مأمور، هل قال شيئا؟ قالت: إن عمرا لما وجه إلى أحد قال: اللهم لا تردني إلى أهلي خزيان وارزقني الشهادة! فقال رسول الله - ﷺ -: فلذلك الجمل لا يمضي؟ إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره: منهم عمرو بن الجموح. يا هند! ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن، ثم مكث - ﷺ - حتى قبرهم. ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنة، عمرو بن الجموح وابنك خلاد وأخوك عبد الله. قالت! قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني معهم وقال سفيان بن عبد الله: كان أبي أول قتيل من المسلمين يوم أحد قتله سفيان بن عبد شمس فصلى عليه رسول الله - ﷺ - قبل الهزيمة (٣).
د - في الصبر والاحتساب عند المصيبة:
١ - جاءت أم حارثة إلى رسول الله - ﷺ -: فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك ليرين الله ما أصنع
_________________
(١) لعل هذا كان قبل أن تلتحق عائشة ﵂ بالجيش مع فريق من النسوة. وذلك حين انتصر المسلمون، وكانت لهم الكرة الأولى.
(٢) حل: زجر تزجر به الناقة إذا حثثتها على السير.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ١٤٦ - ١٤٨.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
قال: ويحك يا أم حارثة. إنها ليست جنة، إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى.
٢ - مر رسول الله - ﷺ - بامرأة من بني دينار، وقد أصيب أخوها وزوجها وأبوها مع رسول الله - ﷺ - بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (١) (٢).
٣ - قال ابن إسحاق: وقد أقبلت فيما بلغني، صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (أي حمزة). وكان أخاها لأبيها - وأمها، فقال رسول الله - ﷺ - لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمة إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن وأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره بذلك؟ قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله - ﷺ - فدفن (٣).
٤ - ثم انصرف رسول الله - ﷺ - راجعا إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نعي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إن زوج المرأة منها لبمكان! لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها عند زوجها (٤).
٥ - أقبل (رسول الله - ﷺ -) حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم فقال: لكن حمزة لا بواكي له! فخرج النساء ينظرن إلى سلامته.
_________________
(١) أي صغيرة.
(٢) السيرة لابن هشام ٣/ ١٠٥.
(٣) السيرة لابن هشام ٣/ ١٠٣.
(٤) المصدر نفسه ٣/ ١٠٤.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فقالت أم عامر الأشهلية: كل مصيبة بعدك جلل، وجاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله - ﷺ -، وقد وقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان الفرس فقال سعد:
يا رسول الله - ﷺ - أمي! فقال، مرحبا بها. فدنت حتى تأملت رسول الله - ﷺ - وقالت: أما إذا رأيتك سالما فقد أشوت (١) المصيبة. فعزاها رسول الله - ﷺ - بعمرو بن معاذ ابنها ثم قال: يا أم سعد! أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعا - وهم اثنا عشر رجلا - وقد شفعوا في أهليهم؟ قالت: رضينا برسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: ادع يا رسول الله لمن خلفوا، قال: اللهم أذهب حزن قلوبهم وأجبر مصيبتهم وأحسن الخلف على من خلفوا، ثم قال: يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية وليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان: اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقر في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني، فنادى فيهم سعد: عزمة من رسول الله ألا يتبع رسول الله - ﷺ - جريح من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح، فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحا ومضى سعد مع رسول الله - ﷺ - حتى جاء بيته فما نزل عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن معاذ وسعد بن عبادة حتى دخل بيته. فلما أذن بلال بصلاة المغرب خرج على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين فصلى ثم عاد إلى بيته.
ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله - ﷺ -، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النار يتكمدون (٢) بها من الجراح، وأذن بلال ﵁ حين غاب الشفق، فلم يخرج رسول الله - ﷺ -، فجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصلاة، يا رسول الله، فهب - ﷺ -
_________________
(١) أشوت: هانت.
(٢) تكميد العضو: تسخين بخرق أو قطن. فإذا تابع ذلك على موضع الوجع وجد له راحة.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته من حين دخل. وسمع البكاء فقاد: ما هذا؟ فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة فقال: رضي الله عنكن وعن أولادكن وأمر أن ترد النساء إلى أولادهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن، وصلى رسول الله - ﷺ - العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه في المسجد يحرسونه فرقا من قريش أن تكر، ويقال إن معاذ بن جبل ﵁ جاء بنساء بني سلمة، وجاء عبد الله بن رواحة ﵁ بنساء الحارث بن الخزرج فقال - ﷺ -: ما أردت هذا، ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي (١).
٥ - مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا التي أحدثه، فجاءت فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم الهم أن يمنعوهم؟ قال: لا قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما كان فقال رسول الله - ﷺ -، بارك الله في ليلتكما قال: فحملت. قال: وكان رسول الله - ﷺ - في سفر وهي معه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا. فدنوا من المدينة فضربها المخاض. فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله - ﷺ -. قال يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله - ﷺ - إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى، تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد الطلق فانطلقنا وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما. فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله - ﷺ -. فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله - ﷺ - (٢) فحنكه وسماه عبد الله.
_________________
(١) إمتاع الأسماع: ١/ ١٦٣ - ١٦٥.
(٢) رواه مسلم.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وفي رواية للبخاري. فقال رجل من الأنصار. فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود.
هـ - حضور المعارك للتطبيب والسقاية:
١ - روى البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: لقد رأيت عائشة وأم سليم وابنهما المشمرتان تنقزان القرب على متونهما، تفرغان الماء في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
٢ - وذكر الطبراني أنه لما انصرف المشركون. خرج نساء الصحابة لتقديم العون لهم فكانت فاطمة فيمن خرج. فلما لقيت النبي - ﷺ - اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم. فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق الجرح فاستمسك الدم (١).
٣ - وعن أم عطية قالت: غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات. فكنت أصنع لهم طعامهم، وأخلفهم في رحالهم، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى (٢).
٤ - قال محمد بن عمر: وقد حضرت أم أيمن أحدا. كانت تسقي الماء وتداوي الجرحى. وجاء في الكامل لابن الأثير: أن أم أيمن كانت تسقي الجرحى في الجيش فرماها حبان ابن العرقة بسهم فوقعت وانكشفت فأغرق عدو الله في الضحك، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل له، وقال: ارم به، فرمى به، فوقع السهم في نحر حبان المشرك، فوقع مستلقيا حتى تكشف، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه ثم قال: استقاد لها سعد أجاب الله دعوته (٣).
٥ - وخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء ماء - وكن قد جئن أربع عشرة
_________________
(١) سمط النجوم العوالي ٢/ ٨٨.
(٢) الطبقات الكبرى ج ٨/ ٤٥٥.
(٣) وقد أورده المقريزي في إمتاع الأسماع ١/ ١٣٣.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
امرأة منهن فاطمة ﵍، يحملن الطعام على ظهورهن، ويسقين الجرحى ويداوينهم، ومنهن أم سليم بنت ملحان، وعائشة أم المؤمنين ﵂ تحملان على ظهورها القرب، ومنهن حمنة بنت جحش وكانت تسقي العطشى، وتداوي الجرحى، ومنهن أم أيمن تسقي الجرحى.
و- المرأة المسلمة مقاتلة:
وهو دور غير طبيعي، والأصل من المرأة ألا تقاتل إلا حين الضرورة، وحين تغشى أرض المسلمين من العدو، ولم تكن أحد إلا صورة من هذه الصور. وكانت بطلتها أم عمارة.
١ - قالت أم عمارة: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال رسول الله - ﷺ - هذا ضارب ابنك. قالت: فاعترض له، فأضرب ساقه، فبرك. قالت: فرأيت رسول الله - ﷺ - يتبسم حتى رأيت نواجذه، وقال: استقدت (ثأرت) يا أم عمارة. ثم أقبلنا نعله بالسلاح حتى أتينا على نفسه فقال النبي - ﷺ -: الحمد لله الذي ظفرك، وأقر عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك (١).
٢ - قالت أم عمارة: قد رأيتني وقد انكشف الناس عن رسول الله - ﷺ - فما بقي إلا في نفير ما يتمون عشرة، وأنا وابناي وزوجي بين يديه ندب عنه والناس يمرون به منهزمين، ورآني لا ترس معي. فرأى رجلا موليا معه ترس فقال لصاحب الترس: الق ترسك إلى من يقاتل. فألقى ترسه فأخذته، فجعلت أتترس به عن رسول الله - ﷺ -، فيقبل رجل على فرس فضربني، وتترست له، فلم يصنع سيفه شيئا وولى وأضرب عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي - ﷺ - يصيح يا ابن أم عمارة، أمك، قالت: فعاونني عليه حتى أوردته شعوب (٢».
٣ - وفي رواية عن أم سعيد بنت سعد بن الربيع تقول: دخلت عليها فقلت: حدثيني خبرك يوم أحد. قالت: خرجت أول النهار إلى أحد وأنا أنظر
_________________
(١) إمتاع الأسماع ١/ ١٣٨.
(٢) شعوب: إسم من أسماء المنية.
[ ٢ / ٣٩١ ]
ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء. فانتهيت إلى رسول الله - ﷺ - وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله - ﷺ - فجعلت أباشر القتال، وأذب عن رسول الله بالسيف وأرمي بالقوص حتى خلصت إلي الجراح. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا غور أجوف، فقلت: يا أم عمارة من أصابك هذا؟ قالت: أقبل إلي ابن قميئة. وقد ولى الناس عن رسول الله - ﷺ - وهو يصيح دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فاعترض له مصعب بن عمير، وناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان.
٤ - كان ضمرة بن سعيد المازني يحدث عن جدته، وكانت قد شهدت أحدا تسقي الماء، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان، وكان يراها يومئد تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا. وكانت تقول (جدة ضمرة): إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها، وكان أعظم جراحها، فداوته سنة. ثم نادى منادي رسول الله - ﷺ - إلى حمراء الأسد، فشدت عليها بثيابها فما استطاعت من نزف الدم! ولقد مكثنا ليلتنا نكمد الجراح حتى أصبحنا. فلما رجع رسول الله - ﷺ - من الحمراء، ما وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها فرجع إليه يخبره بسلامتها. فسر بذلك النبي - ﷺ - (١).
٥ - وقال أبو رافع - مولى رسول الله - ﷺ - -: كنت غلاما للعباس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل وأسلمت. وكان العباس يكتم إسلامه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، وكنت رجلا ضعيفا أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٤١٣.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال له أبو لهب: هلم إلي، فعندك لعمري الخبر، قال فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا. وايم الله مع ذلك ما لمت القوم، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا. فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فعلت في رأسه شجة منكرة. وقالت: استضعفته إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليالي حتى رماه الله بالعدسة فقتله. وهي قرحة تتشاءم بها العرب فتركه بنوه، وبقي ثلاثة أيام لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة في تركه حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه (١).
٦ - قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصببان. قالت صفية. فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله - ﷺ -، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله - ﷺ - والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله () وأصحابه فأنزل إليه فأقتله؟ قال: يغفر لك الله يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده
_________________
(١) المباركفوري في الرحيق المختوم ٢٥٠ - ٢٥١.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
شيئا، احتجزت (١) ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته. قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل؟ قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب (٢» (٣).
ز - في الدعوة إلى الله:
(أخبرنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابث أن أم سليم قالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد، إنما هو شجرة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى. قالت: أما تستحي تسجد لخشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قالت فهل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأزوجك نفسي لا أريد منك صداقا غيره؟ قال لها: دعيني حتى أنظر. قالت، فذهب فنظر ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قالت: يا أنس قم فزوج أبا طلحة (٤» - وكان قد جاءها خاطبا. فما كان لها مهر إلا إسلامه.